سيارة شابّة تلتهم الطريق الممتدّ ما بين مدينة جيجل، ومطار المرحوم فرحات عباس بمدينة الطاهير ـ مطر متوحش أعيا مسّاحات الزجاج الأمامي ـ بحر هادر أعيا عواصف الشتاء، وصوت إسمهان يمتد من رائعتها ليالي الأنس في فيينا بحرا وأرضا ومطرا، ما أشبه جيجل بصوت إسمهان في سحره وعذوبته، باغتني صديقي الشاعر عبد الرحمن بوزربة بهذا السؤال: ما هي أجود الكتب الفكرية والأدبية التي صدرت في الآونة الأخيرة؟، فواصلت تحليقي مع إسمهان، ليس تهربا من الإجابة، بل تأجيلا لها، حتى تكون رزينة، وبعيدة عن التعسفات التي يمليها التسرع بالضرورة، ذلك أن سؤال بوزربة، ليس بسيطا، بحيث يمكن أن نعتبره مجرد فضول شاعر من مدينة داخلية، في معرفة جديد المنشورات الأدبية في الجزائر، بل هو سؤال مرحلة سياسية وثقافية واقتصادية قائمة بذاتها، وآن له أن يطرح، إنصافا للتجارب الأدبية الجادة، بكل و

























قال لي: ما أشدَّ أنانيتَنا ـ نحن الجزائريين ـ يا بوكبة، فقلت له: ما أعرفه أن الجزائريَّ ليس أنانيا بالجرعة التي تدعو إلى التشاؤم، كما يبدو من نبرتك ، وإن أصبحت فيه أنانية، فهي وليدة الظروف الأمنية والاقتصادية التي اكتسحته في سنواته الأخيرة، فتركته كسيحا، بشكل جعله لا يلتفت إلا إلى نفسه، كنوع من الدفاع الطبيعي عن النفس، وبالتالي فهي أنانية مكتسبة، يُمكن التخلص منها بإزالة مسبباتها، لا أنانية فطرية كالتي عند بعض شعوب العالم، قال متأففا: هذا كله كلام منطقي وعميق، لكنني أقصد نوعا آخرَ من الأنانية، هو أنانية الإنسان الجزائريّ مع الكائنات الأخرى التي تشاركه الفضاءَ والعطاءَ/ أقصد الحيوانات والنباتات والفضاءَ الطبيعيَّ تحديدا، قلت: إنني لم أفهمْ مرماك، قال: لو توفرت لك لائحة تشمل مطالب الجزائريين كلَّها في الحاضر، وتأمّلتها جدّا، فإنك سوف لن تجد فيها إلا مطالبَ تتعلق بهم وحدهم: السكن ـ العمل ـ اللباس ـ التغذية… وسوف لن تجد فيها مطلبا واحدا يخصّ شركاءهم من الحياوانات والنباتات والمحيط الطبيعي، رغم أن هذه الكائنات تواجه أزمات لا تقلّ خطورتها على وجودها ووجود الإنسان الجزائري نفسه، عن خطورة الأزمات التي تبدو أنها تتعلق به وحده، إذ هناك انتهاكات وانقراضات باتت تتهدد حياة أنواع كثيرة من الحياوانات والنباتات، نتيجة للصيد ـ الاقتلاع العشوائي، أو نتيجة للتغيرات المناخية الناجمة عن أخطاء الإنسان، أو نتيجة لعدم وجود ما يكفي من الحماية القانونية والجمركية، هل تعلم يا صديقي، أن هناك أنواعا من النبات يتمّ تسريبها إلى الخارج، لتعود إلينا في شكل دواء نشتريه بملايين الدولارات؟، بل إن هناك نوعا من القمح الجزائري، ـ من واد زناتي بقالمة تحديدا ـ، يتمّ تعديله جينيا في الخارج، ثم تسويقه إلينا في شكل بذور تحمل خصائصَ لا تتلائم مع بيئتنا، بحيث يصبح صالحا للاستهلاك فقط، ولا يصلح للتكاثر، لنبقى في النهاية تابعين لهذا الخارج في مجال القمح، ونحن أربابه عبر القرون، قلت: أنا لا أعلم، قال: لماذا أراك تتهكم علي إذن؟، قلت: إنني لا أتهكم… لكنني أردت أن ألفت انتباهك إلى كونك تطرح أفكارا مثالية، لا يمكن لج
نكتة الجسم السليم: التقت شعوب وأمم الدنيا [ بتعبير الجغرافيين القدماء ]، مستعرضة طاقاتها الرياضية، وخصوصياتها الحضارية، في بيجين [ كما حرص الصينيون على أن تنطقها الدنيا صحيحة هذه المرة ]، والتي بهرت الجميع بحفلي افتتاحها واختتامها اللذين قيل إنهما أروع وأعظم احتفالات الألعاب الأولمبية على الإطلاق، ناهيك عن النتائج الذهبية التي عقدت بها أمريكا نفسها، وهي ألعاب تشبه بالمنطق القبلي العربي القديم ـ الجديد سوق عكاظ، حيث تعلو قبائل وترسب أخرى، بناءً على ثقلها الحقيقي في الميزان، فما كان وزن الأمة أو القبائل العربية على الأصح في ميزان بيجين؟/ ثمان ميداليات ليس فيهن ذهبية واحدة، لاثنتين وعشرين دولة، فيها الجمهورية والمملكة والسلطنة والسلطة والإمارة والجماهيرية، وفيها النفط والغاز والذهب والبحر والبَر والصحراء والجبال والسماء، وثلاثمائة مليون كائن يفتخر بانتمائه إلى هذه الأمة التي حصلت مجتمعة على نصف ما حصده سباح أمريكي وحده، أو ما نالته دويلة صغيرة مثل جامايكا، بل إن دولة عربية ذات بعد رمزي مثل مصر اكتفت ببرونزية واحدة مثلها مثل أفغانستان، ومع هذا الهزال الصارخ بالعربي وبكل لغات الأرض والسماء، لم نسمع أن مسؤولا رياضيا عربيا واحدا، قدم
كان اللّيل قد انتصف عندما رنّ نقالي، فقلت في نفسيَ فرحا، إنه علي بلميلود، ومن حظّه الحسن أنني مستعدّ لأن أثرثرَ معه هذه المرّة، لكن ما أن فتحت عليه، حتى انفجر باكيا، كان يبكي بصوت مرتفع، ويُلحّن بكاءَه على طريقة الثكالى في الأرياف، سألته مندهشا: أيَّ عزيز فقدتَ يا بلميلود، قال: بل أخشى أن أفقد يا بوكبة، قلت: من؟، قال: الوطن، قلت: أيّ وطن؟، قال: سؤالك مرفوض جدّا، وعاد إلى مقامه في العويل: كلُّ وجد من تبكيه إلا حمزة لا بواكيَ له، كذلك أنت يا وطني الحبيبَ، الكلُّ يبكي منك لا عليك، أحسستُ بصدق نبرته، فسألته ومطالعُ دموع تشرشف عينَيْ: ما مناسبة بكائك يا صديقي؟، قال: في الحقيقة…، داهمتني رغبة في البكاء حتى يسمعني التمساح في البحيرات، حينما شاهدت أشلاء إخوانيَ في يسّر والبويرة، لكنني لم أستطع أن أبكي، لماذا أصبح الجزائري لا يرى الجزائريَّ أخاه إلا إذا رآه ميتا؟/ لماذا أمسينا يوحّدنا الموت لا الحياة يا بوكبة؟، وعندما شاهدت فيلم أبناء القصبة الذي بثه التلفزبون الجزائري بمناسبة اليوم الوطني للمجاهد، بكيتُ… بكيتُ.. حيث استطاع أقومي وكويرات ونورية وأرسلان وكشود، أن يجعلوني أنسى كونَهم يمثلون، فأعيشَ معهم حالة صفاء، لم أجدها إلا عند صلاتيَ في جوف الليل، هناك أدركت معنى ما لقنوه لنا صغارا: حبّ الوطن من الإيمان، أخبرني يا بوكبة… لماذا أصبح إيماننا بالجزائر مهزوزا؟، إلى درجة أننا أصبحنا لا نمثلها بالجودة نفسها التي يمثل بها الآخرون أوطانَهم؟، فلا رياضتنا ولا إعلامنا ولا جامعاتنا ولا صناعتنا ولا فلاحتنا ولا مساجدنا ولا أحزابنا ولا حكومتنا ولا ثقافتنا، ـ أقصد الفعل الثقافي، لا الثقافة بمفهومها العام ـ، ولا مطاراتنا، ولا يخلي دار الشر، تقترب من المقاييس المعمول بها دوليا في الأداء/ حتى سفاراتنا في الخارج تتصرّف على أساس أنها فيلات فارهة منغلقة على نفسها، لا على أساس أنها ممثليات لدولة ممتدة في التاريخ والجغرافيا، ولك أن تحصي عدد المراكز الثقافية المفتوحة على النشاط الفعلي، لت
كتب إليّ صديق مسرحي جديد، رسالة الكترونية ضمّنها شكرا جزيلا، على أنني حققت له حلما جميلا، راوده منذ سنوات مديدة، هو أن يجد إنسانا جزائريا واحدا، يلتزم بموعد يتفق عليه مع غيره، فلا يأتي إليه بعده بساعة أو ساعتين، أو يعتذر له عن عدم قدرته على الحضور، بعد أن يتركه ينتظر ساعة أو ساعتين، أو لا يكلف نفسه حتى واجب الاعتذار أصلا، وكدت أن أردّ عليه معترفا له بأنني لم أحضرْ في الموعد، التزاما مني بالموعد، وإنما كان الأمر صدفة أو ما يشبه الصّدفة، فأنا أيضا جزائري حتى النخاع في هذا الباب، ثمّ قلت: لن أحرمه من لذة الاستمتاع بالأمر، مع توبيخ نفسي على تقصيراتي السّابقة، وتحريضها على تجاوزها في مستقبل الأيام، وقد نبّهتني رسالة الصّديق المسرحي إلى حقيقة في حياتنا اليومية، هي أنّ كل شيء عندنا بات يسيّره منطق الاستثناء، فيما يخصّ الجودة والإتقان والانضباط، والنتيجة أننا بتنا لا ننتبه إلى الأشياء الجميلة والمتقنة في واقعنا، لأننا بتنا لا نتوقعها أصلا، ما غيّب لدينا ثقافة الشكر والاعتراف، فنحن لا نُطْلق ألسنتنا إلا بالسبّ والشتم والشجب والاستهجان، والأمر متفشّ في كل الطبقات، بما في ذلك الصّحافة التي يُفترض أنها تلعب دور المرآة التي تعكس بنزاهة، ملامحَ الواقع مليحَها وقبيحَها، وقد سألت يوما صديقا يملك جريدة يومية عن الأمر، فقال لي: نحن نتماشى مع الذوق العام حتى نبيعَ، والثقافة التي باتت سائدة في الجزائر، هي اعتبار الحديث عن الجانب الإيجابيّ في أيّ موقف من المواقف، أو سياسة من السّياسات، أو قرار من القرارات، أو مبادرة من المبادرات، نوعا من المحاباة والتواطؤ والانبطاح، فأصبحت الجريدة ذاتُ المصداقية، والمثقف ذو النزاهة، هما اللذان يعارضان كلّ شيئ، ويتفهان كلّ المساعي، ويسوّدان الرّاهن بكلّ تجلياته، وقد
عطش الثقافة: هل رأيتم رجلا عطش عطشا شديدا، في سفر صحراوي شديد، ثم فجأة وجد قربة باردة، فصبّها كلها على جسده، دون أن يشرب منها شربة واحدة؟،هل يذهب من عطشه شيء؟، والحديث قياس على ما نُظّم لحد الآن من نشاطات في إطار عاصمة الثقافة العربية، إذ كم كتابا وكم فيلما وكم مسرحية وكم ندوة وكم مهرجانا، وبالتالي كم صُرف من المال العام على ذلك، علما أن عدد المتلقين الذين استفادوا بالمعنى الوظيفي للاستفادة، لا يتعدى المآت من بين اثنين وثلاثين مليون مواطن، وقد كنا قادرين على أن نُحْدث صحوة ثقافية بنصف المبلغ فقط، لو كنا نملك استراتيجية ثقافية واضحة المعالم والأبعاد، من خلال تدشين جملة من المبادرات التي لا تزول بزوال المناسبة، إذ هناك فرق بين أن نشتري ثمارا بمبالغ ضخمة، نضطرّ إلى شراء غيرها بنفادها، وبين أن نغرس شجرة، تُكلّفنا مبلغا زهيدا مرة واحدة، مع بقاء ثمارها على مدى أجيال وأجيال.
حطت بنا الطائرة على مطار السانية صباحا، ماذا هناك؟… إن الطائرة لم تتأخر/ قلت لصديقي أحمد سليم رفيقي إلى الأبواب المفتوحة على التلفزيون بوهران، وكانت شوارع وهرانَ دبيبا، كم يغريني دبيب هذي المدينة بالكتابة، هناك مدن تغرينا بالنوم وأخرى بالحركة، وأخرى بالصلاة وأخرى بالصعلكة، وأخرى بالتفكير وأخرى بالنسيان، وأخرى بالـ……، ووهران تغريني بالكتابة، المدن التي لا تحرّض على إنتاج الفن، مجرّد تجمّعات إسمنتية تنتج قسوة القلب كأنها بدائية، لا رحابته كما تفعل المدن الحية، المدينة نتاج رغبة الإنسان في الاندماج، والاندماج يقتضي الإيمان بالشراكة بل والتلذذ بها، وقسوة القلب تلك، في المدينة الإسمنتية التي عادة ما تنام باكرا وتستيقظ متأخرة، كأن سكانها يخافون من بعضهم، تنتج بالضرورة الأنواع المعروفة من الجريمة، وإن لم يكن هناك وعي بالأمر من طرف المؤسسات الرسمية والمدنية، يكون مرفوقا بحركة مدروسة ومنسّق فيها، فإنها تنتج أنواعا جدي
من المسئول عن تجريد كلمة الجبل من قدسيتها، بحيث كان الجزائري الحقيقي يشعر ـ إذا ذكرها، أو ذُكرت أمامه ـ بعزته وكرامته وفحولته عبر التاريخ، بل ويشعر بالأمان، رغم أن الجبال كانت ـ يومها ـ مسارحَ لمعاركَ كبرى الداخلُ فيها مطحون، والخارج منها معطوب، إلى درجة أن مليونا ونصف المليون استشهدوا في أقلَّ من ثمان سنوات؟، وبالتّالي من المسئول عن شحنها بمعنىً معاكس، بحيث أصبح الجزائري الحقيقي، يشعر ـ إذا ذكر كلمة جبل، أو ذُكرت أمامه ـ، بالخزي والعار والخوف على ماضيه وحاضره ومستقبله؟/ من المسئول عن تحويل أنهارنا وأوديتنا من مجار لسباحة الأطفال وصيد السمك وسقي الحقول، إلى كوارثَ بيئية، وعار وطني؟/ من المسئول عن تحويل حدائقنا العمومية ومواقع آثارنا، من فضاءات تعبق بالخضرة والتاريخ، إلى فضاءات للجريمة والدعارة بكل أشكالها؟/ من المسئول عن تحويل جامعاتنا من منابرَ لإنتاج العلم والمعرفة، وتخريج إطارات المستقبل، إلى محاشرَ لأنصاف المتعلمين وتفريخ البطالين، وقريبا من هذا: من المسئول عن تشويه صورة المعلّم؟، وتلميع صورة البزناسي، بحيث أصبح الأول محل تنكيت، وأصبح الثاني محل إشادة واقتداء؟/ من المسئول عن إفراغ جوامعنا، من معناها الدينيّ الجزائريّ الأصيل، وتحويل
لو شاء الله أن ينسى أنني دمية من قش، وأن يهبني حفنة حياة أخرى، فسوف أستغلّها بكل قواي، ربما ما قلت كل ما أفكر فيه، لكنني حتما سأفكر في كل ما أقوله، وسأمنح الأشياءَ قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه، سأنام قليلا، وأحلم كثيرا، مدركا أن كل دقيقة نوم هي خسارة لستين ثانية من النور، لو شاء الله أن يهبني حفنة حياة أخرى، سأرتدي ملابسَ بسيطة وأستلقي على وجه الأرض عاريا ليس من جسدي فحسب، بل من روحي أيضا، وسأبرهن للناس كم يخطئون إن هم اعتقدوا أنهم لن يكونوا عشاقا متى شاخوا، فهم لا يدرون أنهم يشيخون عندما يتوقفون عن العشق، للطفل سوف أعطي الأجنحة، لكنني سأدعه يتعلم التحليق وحده، وللكهول سأقول إن الموت لا يأتي بسبب السن، بل بسبب النسيان، لقد تعلمت منكم كثيرا أيها البشر، تعلمت أن الجميع يريدون العيشَ في القمة، غيرَ مدركين أن سر السعادة في كيف نهبط من فوق، تعلمت أن الإنسان يحق له أن ينظر إلى الآخر من فوق، فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف، تعلمت منكم كثيرا، لكن قليلا ما سيسعفني ذلك، فما أن سأنهي توضيب معارفي سأكون على شفير الوداع، قل دائما ما تشعر به، وافعل ما تفكر فيه، لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي سأراك نائمة، لكنت أخذتك في ذراعي، وصليت لله كي يجعلني حارسا لروحك، هناك بالطبع يوم آخر، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل خيرا، لأن الغد ليس مؤكدا لا للشاب ولا للكهل.
سألني صديق مشرقي، جاء إلى الجزائر، للقيام بعمل سيسنيمائي ضخم، عن أحد أبطالنا التارخيين: هل تستطيع أن تترجم لي النصَّ من العربية الفصحى إلى اللهجة الجزائرية؟، فقلت واثقا من غير أن أحسب حسابا لشيئ: طبعا، قال: كم تحتاج من الوقت، حتى يطلع عملك محترفا؟، قلت: أربعة أيام على الأكثر، قال: دعها أسبوعا كاملا، لكن إياك أن يفوت الأسبوع، من غير أن تكمل العمل، أو تكمله بعيدا عن الاحترافية التي قيل لي إنك تتميز بها، ومرّ اليوم الأول فالثاني فالثالث فالرابع فالخامس، وأنا لم أخرج النص من حقيبتي أصلا، لخلوطة من الأسباب، فيها المقنع وفيها غير المقنع، المهمّ أنني اشتغلت على النص الضخم خلال اليومين المتبقيين، بتسرع وارتجالية صارخين، فطلع ناقصا، وشاحبَ الملامح، كمولود لم يتلق تغذية جيدة في بطن أمّه، وساعة تقديمه إلى الصديق المشرقي الذي نشأ في بيئة غَرْ ـ عربية لا تؤمن بالإهمال والارتجال، لم تشفع لي الحميمية التي بيننا، في أن يصبّ علي جام عتاباته، حتى صرت أرى نفسي صغيرا أمام نفسي، وفي لحظة من تلك الحالة القاسية التي لم أتعوّد عليها، خطرت ببالي صور الوزراء الجزائريين، وهم يقفون أمام الرئيس، غيرَ قادرين على تبرير التأخرات والاختلالات التي تطبع مشاريعهم، رغم وفرة الوقت والمال، وحاجة الجزائريين إليها، فانفجرت أضحك بغزارة، كرجل التحق بحظيرة المهابيل فورا، قائلا لنفسي: فعلا إن أزمتنا ـ نحن الجزائريين ـ، تكمن في هذا المفصل بالذات: عدم التعامل مع المشاريع الخاصة والعامة معا، باحترافية من حيث احترام الوقت، ومن حيث توفير شروط الإتقان، فالطالب ـ التلميذ يلعب العامَ كلَه 
كم أحير يا بلميلود في العقل الأمريكي، عندما أتأمّل ما ينتج من فن وفكر وصناعة، أجده راقيا ومتوثبا ومخترقا للحدود، حدودَ الزمان والمكان، وأجده بليدا، ولا أضيف نعتا آخرَ، لأن وصف البلادة كاف دلاليا، عندما أتأمّل طبيعة نظرته إلينا نحن العرب والمسلمين، بحيث لم تنفعه كل احتكاكاته الميدانية بنا، وكل مناهجه ومعارفه في تراكماتها المختلفة، في أن يدرك حقيقة أننا كيان مستعص على الزوال، لأننا ببساطة التاريخ والجغرافيا متجذرون في الأرض والسماء، بكل ما يترتب عن ذلك التجذر من إنتاج فني وأدبي وثقافي وطقوسي، لا يمكن علميا لأمة تملكه أن تزول، فلماذا هذا الإصرار على سياسة التفتيت والاحتواء والإلغاء والمغالبة؟، عوض أن يجلس الأمريكيون قليلا مع عقلهم الكبير جدا، ويبحثوا عن سياسة بديلة ويتبنوها، فيريحوا ويستريحوا، قال لي: شخصيا سأمنح أمريكا عاما آخرَ، إذا لم تستوعب الدرس بعد فشل قناة الحرة وتنظيم القاعدة واحتلال العراق، من خلال عدم تجاوب الناس مع تلك المشاريع التي طبختها في مخابرها المختلفة، فسأسحب عنها صفة الفه
أخي الصغير عبد الرزاق بوكبة

تهيئة الدخول: أخي الكبير عبد الرزاق بوكبة
تابعتُ الحصّة التلفزيونية ألحان وشباب، منذ بدايتها في طبعتها الجديدة، وقد تعوّدتُ على أن أتعامل مع مثل هذه الحصص، بغضّ النظر عن أبعادها الفنية، التي قد توافق ذوقي وقد لا توافقه، ولكن من منطلق كونها وثيقةً، أقرأ من خلالها مستجدّاتِ وتحوّلاتِ الذوق والتفكير والسلوك في المجتمع ، التي علينا أن نرصدها، ونُلمّ بسياقاتها موضوعيا، بعيدا عن عقلية التعالي والإلغاء، وشخصيا أعتقد أن أهمية مثل هذه الحصص ـ بالنسبة للنخبة ـ
مدخل شعبي: …. وكانت أمّ سيسي تعلو هضبة دوماز، فتعلو عقيرتها: ليلتي ليله، وطريقي طويله، وَ نَا قاتلني الغُبْ… بالصّحْ لازم نمشيها… كره اللي كره، وحب اللي حبْ، ثم تخوض في طريق يمتدّ في كل الفصول، حتى تتعب الفصول.
مدخل: شابان لا يتجاوزان العشرين، يتجاذبان أطراف السياسة، في مقهىً شعبي بالعاصمة، كانا يستمتعان بحديثهما وقهوتيهما الخاثرتين، بشكل لفت انتباهي أنا الغارق في الشاي والكلمات، ورائعة خلخال عويشة تنبعث من عمق المكان، فتجعلك تتنفس تحت الماء
ربما حتى نلمس جيدا حقيقة كون الرحابنة روادَ تحول في الموسيقى العربية، علينا أن نتذكر أن مسعاهم ظهر بالتوازي المتأخر قليلا فقط، مع التحول الذي طرأ على الشعر العربي، حيث ظهرت مفاهيم جديدة لموسيقى الشعر، تعطى الأولوية في المراعاة لموسيقى النفس البشرية وهي تعيش الحياة في تجلياتها المختلفة، واضعة التعريف القديم للشعر :كلام موزون مقفى، أمام حقيقة/ جدوى الموسيقى في علاقاتها الحية مع الحياة، وأعتقد أن الموسيقيَّ العربي حينها لم ينتبه إلى سؤال كان يجب أن يُطرح: إذا ك
لم أصدّقه عندما نقل إليّ الخبرَ، حتى قرأته في إحدى الجرائد الوطنية، ذلك أن بشاعة المشهد وغرابته، جعلتاني أحسّ بأن الخبر متخيَّل: مجموعة من الأطفال، لا تتجاوز أعمارهم خمسة عشر عاما، يستغلون وجودَ حمار يرعى بالقرب من حيهم، للتسلية وخلق جو من المرح، بأن صبوا عليه البنزين، ثم أضرموا فيه النار حتى صار فحما.
يبدو أنّ كلَّ ما هو عمل جزائري، بات مقترنا بالنقص والتشوّه والاختلال، والبعد عن المقاييس العالمية، مهما كانت طبيعته، ومهما تكن الجهة التي تقف وراء تنفيذه، إذ يكفي كونُها جزائرية، حتى يتّسم عملُها بالصفات الأربع المذكورة أعلاه، بما في ذلك العمل الإرهابي، فقد شذ فرعُ تنظيم القاعدة في الجزائر، عن الفروع الأخرى في العالم، وخرج علينا بأساليبَ في العنف بعيدة البعدَ كلَّه، عن المقاييس التي يُعرف بها هذا التنظيم العالمي، ومن ذلك توظيف أطفال في العمليات الإرهابية لم يكتمل وعيُهم بما جرى ويجري وسيجري في الحياة والتاريخ، كما حدث مؤخرا مع الطفل نبيل، منفذّ عملية دلّس.
ارتاح لي منذ الجلسة الأولى، فراح يحدثني كما لو كان يعرفني منذ الكتّاب، يصمت فجأة، ويفيض فجأة، وبالطولة تعلمت ألا أتكلم عندما يتكلم هو، حتى لا تفوتني إشارات حكيمة يزرعها في ثنايا الكلام، ليست هناك قظية إلا وله فيها رأي خاص، ويحدث أن يخلق رأيه، فور أن تعرض عليه قظية لا يعرفها، هو ليس مغرورا بمعنى لا يؤمن بالآخرين، بل بمعنى ثقته في رأيه، لأنه جربه في الحياة، الرأي الذي نحمله قبل التجربة، رأي يحملنا إلى الخطأ، وهو كائن كهربائي بامتياز، لا يكف عن الحركة أبدا، ولولا الصلاة والنوم الحتمي، لما رأيته متوقفا، من قال إنه يتوقف عندما يصلي أو ينام؟، قلت له: لأول مرة ألتقي إنسانا أسرعَ من العاصمة، فقال ضاحكا: الملايين أتعبتهم المدينة، وأنا أتعبتُ المدينةَ، قلت: أنا أفضل المدينة التي تتعبني، على المدينة التي أتعبها، قال: وما مبرر التفضيل لديك؟، قلت: المدينة التي نتعبها، توفر لنا في نهاية الأمر، ومهما كانت الظروف، ركنا نأوي إليه، حتى وإن نسيتنا فيه، أما المدينة التي نتعبها، فتحرمنا من كل شيئ، المدن كالنساء يا صديقي، لا ينسين ظلم الرجل لهن بسبب شعوره بالتفوق عليهن، غرق في صمت حرير ثم غاب، كم حاولت أن أقنعه بأنني لا أستطيع أن ألتقيه متى أردت او أراد، لأنني محكوم ببرامجَ يومية كثيفة لولا إعانات الله، لكنني لم أفلح، إذ قال لي: أنا سأتصل بك متى شعرت برغبة في ذلك، وأنت لك الحق في أن تردّ، فتسمع حكمتي، أو لا تردّ فنحرم منا معا، وتبقى الحكمة معلقة في السماء، قلت لكم إنه ليس مغرورا، بل معت 
رأس الخيط: قال لي شاب وأنا أحاوره بهذا الخصوص: كيف تريدني أن أرى العَلَم كما يراه أبي أو جدي؟، وأنا أرى حتى لجنة الحج تسرق باسمه الحجيجَ في مكة، وأرى الفريق الوطني الذي يحمل ألوانه، عاجزا حتى عن الانتصار على فريق النيجر أو مالي؟، وهو سؤال جدير بالانتباه، أليس كذلك؟.
ـ 1 ـ
جاءتني ثلاث سيّدات عليهن وقار المعلمات، فقالت لي من بدَتْ أجرأَهن: جئنا نستشيرك في تطوير مشروع أطلقناه منذ عامين، قلت: ما هو؟، قالت: تنازل زوج إحدانا عن مستودعه، فحولناه إلى قسم نعلم فيه القراءة والكتابة للأمّيات
يتفوّق الخيرُ عل الشرّ بحرف واحد، هذا يعني أنه الأقوى، ولأننا عادة ما نقف مع الأقوى، فلماذا لا نقف مع الخير
عاجلا إلى السادة وزراء : الداخلية ـ المجاهدين ـ الثقافة
ظروف الكتابة: الثالثة والربع صباحا، من يوم الأحد 22 جوان 2008، بعد العودة من إحدى سهرات المهرجان الوطني لموسيقى الحوزي، على الهواء الطلق بالصهريج الكبير، المعْلَم الذي خلفه الزيانيون قبل سبعة قرون، دخلت الغرفة مشحونا بأحاسيسَ، لو أعيرت للربيع لأكل كل الفصول، تذكرت أنني لم لم أكتبْ خيطا واحدا، فشرعت في كتابة ما ستقرؤون
أبادر إلى القول إنني أتدخل هنا ككاتب جزائري ناشئ، شاءت له أقداره التي لا تستقر على ريح، أن ينتمي إلى هذا الحقل الرّمزي الذي يفترض فيه أن يستمدّ المنتمون إليه، قيمتهم من شرعية الجمال، لا من شرعية التاريخ، ووحدها عفويتي مشفوعة بغيرتي على أبجديات وأخلاق الحضور الثقافي، ستحملني على التعبير عن الانزعاج ممّا عاد فقاله شيخنا بوجدرة عن شيخنا وطار، وممّا ردّ به شيخنا وطار على شيخنا بوجدرة، مدشنَيْن بذلك صائفة جديدة من صراع الديكة، تماما كما عوّدانا منذ كنا نحبو في الكتابة بداية التسعينيات، وسأبادر إلى القول مرة أخرى، إنني أراهما كبيرين في هذا المجال، وقد نشأت على اعتبارهما نموذجين لي ، ومن هنا يأخذ انزعاجي مبرّرَه، إذ كيف يسقط الشيخان كلَّ مرة في 




كان يوما حلوا مارسَ فيه الربيع أجمل استعراضاته، وكان إحساسي بالكآبة خريفا استولى على جميع جوارحي، لست أدري كيف حصل لي ذلك، رغم أنني لا أعاني مشكلا واضحا، كآبة غامضة وإحساس داخلي بالقرف، جعلاني لا أستطيع أن أستمتع بأيّ شيء كان من دواعي سعادتي في السّابق، كأن أواجه البارابول برغبتي في الانتقال بين المحطات، بمعدل دقيقة لكل محطة، وبمرور ساعة، أكون قد التقطت ستين مشهدا مختلفا، ثم أعجن تلك المشاهد فيما بينها، فأخرج بحالة ما أستثمرها إبداعيا، وقد فعلت ذلك صباحَ هذا اليوم الحلو الذي مارس فيه الربيع أجمل استعراضاته، فلم أزددْ إلا كآبةً وقرفا،… قرف… قرف… قرفُ



جدتي لأبي مريم بنت سعيد بوكبة.
مع بعض طلبة العلم الشرعي مريدي إحدى الزوايا بأدرار.
في قاعة التجميل بالتلفزيون، ومن الخلف الصحفي بلقاسم مام مقدم نشرة أخبار الثامنة.