بسيط في مظهره وفي تعامله مع الناس، إذا كنت لا تعرفه ورأيته يصول في أروقة التلفزيون ممتشقا سيجارته، قلت إنه لا يحمل همّا في الدنيا، لكن بمجرد أن تشاركه عفويته قليلا حتى تكتشف أنك أمام كائن مؤرق بكثير من الهموم الفكرية والإنسانية، قدم من المدية إلى العاصمة طالبا لعلوم الشريعة، فانخرط في الصحافة المكتوبة، ثم في التلفزيون، عبر محطات مثيرة ومشوقه، نحاول أن نقف معه عند بعضها هذا الحوار.
التحقت بجامعة الأغواط عام 1989 متخصّصا في الاكتروتكنيك، ثم بعد عام واحد، تحوّلت إلى جامعة الجزائر متخصّصا في علوم الشريعة، لماذا كان ذاك التحوّل؟
كانت الحركة الإسلامية قوية جدّا في تلك الفترة، وكانت تربيتي الأولى بين أحضانها، فتهيّأ لي أن التخصّص في الشريعة طريق للانخراط الصّحيح في التيار الإسلامي.
ألا تلاحظ أن كثيرا من الطلبة الذين يتوجهون إلى الشعب العلمية، سرعان ما يتركونها إلى العلوم الشرعية، بمجرد استقطابهم من الإسلاميين؟
السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى طبيعة البرامج التربوية المعتمدة لدينا.
كيف؟
إن الطالب عندما يحصل على الباكالوريا، لا يكون مسلحا بأية مناعة فكرية وثقافية تقيه الوقوع في شراك الإسلاميين، الذين يعتبرون أكثرَ التيارات الفكرية نشاطا وتفانيا في الأوساط الجامعية، بالمقارنة مع التيارات الأخرى التي تسكن في الأبراج العالية.
هل أستطيع أن أفهم أنك تعتبر نفسك اليوم ضحية في الأمس؟
إلى حدّ كبير.
كيف؟
قلت لك إن ثقافتي الأولى كانت ثقافة محافظة، تقترب كثيرا من التيار الإسلامي، وغير مكتشفة للخطابات الأخرى.
هل أنت نادم اليوم على اختيارك ذاك؟
لا… لأنني استفدت كثيرا من تلك التجربة، فلو لم أعشها لكنت اليوم أنظر إلى الخطاب الإسلامي، خارج طبيعته الحقيقية، كثيرون ينتقدونه، وهم لا يعرفونه، لقد مكنتني تلك التجربة من فهم طبيعة الإسلاميين وخطابهم.
ماذا فهمت؟
فهمت أمرين: الأوّل يتعلّق بعاطفية الخطاب الإسلامي وسطحيته، فهو يلامس الطبقات المحطمة في المجتمع، ويستغلّ أحلامها وتطلعاتها إلى حياة أفضل، ويتعلّق الأمر الثاني بسوء سلوكيات قطاع واسع من الإسلاميين، أكثر من غيرهم أحيانا.
هل لك أن تعطينا دليلا على ادعاءاتك؟
في سنة 2000 حرمت من مناقشة شهادة الماجستير، بسبب مقال كتبته في "الخبر الأسبوعي"، ينتقد حركة مجتمع السلم.
من حرمك؟
كان المشرف عليّ واحدا من نواب الحركة في البرلمان، رفض أن أناقش، بعد أن وقّع على تقرير قبول المناقشة، بسبب ذاك المقال، وهدّد إدارة المعهد باستخدام نفوذه ضدّها، إن هي سمحت لي بالمناقشة.
وإلى أين وصلت الأمور؟
ألغيت الرسالة تماما، ما اضطرّني إلى البداية من جديد مع مشرف آخر، والغريب في الأمر، أن النائب نفسَه شنّ بعدها حملة شعواء على قيادة الحركة، لأنها رفضت أن تعيد ترشيحه للبرلمان.
متى ظهرت ميولاتك الإعلامية؟
في الجامعة حيث مارست نشاطا طلابيا خاصّة في الإعلام.
في أيّ تنظيم كنت تنشط؟
في الاتحاد العام الطلابي الحر، حيث أسست أوّل فرع له في جامعة الأغواط.
ومتى كانت أولى ممارساتك الإعلامية فعليا؟
في أسبوعية الحقيقة عام 1992 ، إذ كتبت في مجال المستقبليات.
هل كان توجهك إلى المستقبليات ميلا طبيعيا لديك، أم تأثرا بمدير الجريدة الأستاذ سليم قلالة؟
صراحة… كان تأثرا بمدير الجريدة، وبالأستاذ وليد عبد الحي، الذي كان يكتب في هذا المجال بالجريدة نفسها.
ما هي أهمّ "الاستشرافات" التي كتبتها في تلك الفترة؟
مستقبل الإسلاميين الجزائريين بعد حرب الخليج الثانية.
ما الذي كنت تراه بخصوص ذلك؟
قلت إن الإسلاميين إما أنهم مقبلون على الانتحار، وإما أنهم سيتعلمنون.
وهل صدّقتك الأيام فيما بعد؟
بدون ثرثرة: آلت الجبهة الإسلامية إلى المصير الأوّل، فيما آلت حركة مجتمع السلم إلى المصير الثاني.
هل سبّب لك وعيك الجديد، بالتيار الإسلامي الذي تربيت في أحضانه، مشاكلَ من طرفه؟
كثيرا…
كيف؟
اتهموني بالزندقة والفجور والخروج عن الصفّ.
كيف تعاملت مع الوضع؟
كان أمامي خياران: إما أن أعود إلى "الأحضان"، وأدوس على قناعاتي، مقنعا نفسي بكوني منافقا، وإما أن أتحمّل ضريبة الحرية، فاخترت حريتي.
ثمّ انتقلت من "الحقيقة"، إلى "اليوم"، كيف ولماذا؟
كانت جريدة اليوم في بداياتها، تخصّص فضاءات مهمّة للمقالات التحليلية، فأغراني ذلك بالانتقال إليها، حيث كتبت مقالات في إطار اهتمامي بالبحث في الإسلام السياسي.
ومن بين "أخطر" استنتاجاتك يومها، أن السلفية ستقوى في المستقبل، بعد سقوط "الجيا".
قلت إن السلفية فكر يتجاوب مع الظروف إقداما وإقبالا، بحيث يتراجع إذا لاحظ انحسار العمل المسلّح إلى المساجد والأحياء الشعبية، محتميا بمقولات السلف الصالح، لاستقطاب جيل جديد من الشباب، يعاود الكرّة بهم في حركة عنف جديدة، وهذا ما حدث فعلا، بظهور الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهذا الهدوء الذي نلاحظه اليوم، بغضّ النظر عن التفجيرات الأخيرة، سيكون مقدمة لموجة جديدة علينا أن نهتم بها خارج الحلول الترقيعية.
بقيت في "اليوم" سنة تقريبا، كيف كانت علاقتك باحميدة العياشي، الذي كان يرأس تحريرها؟
لم يلغ لي موضوعا كتبته أبدا، بل كان يشجعني دائما على الكتابة والبحث، كلما لاحظ فتوري.
ثمّ انتقلت إلى "الخبر الأسبوعي"، هل كان ذلك بمناسبة انتقاله هو أيضا إلى العنوان نفسه؟
نعم… حصل ذلك بطلب منه، فكتبت مقالات في الإطار ذاته، ومنها المقال الذي قلت لك إنه كان سببا في حرماني من مناقشة الماجستير، تحت عنوان" الكومندوس والزجاجة المكسورة.
بمعنى؟
هي عبارة للمرحوم الكبير محفوظ نحناح، حيث قال بمناسبة تحالفه الأوّل مع الأرندي والأفلان، إنهم أسّسوا كومندوسا على أنقاض زجاجة الفيس المكسورة.
هل اتصل بك ـ رحمه الله ـ محتجا على ما كتبتَ؟
بالعكس… كان يشجعني في كثير من المناسبات على النقد، وقد كتبت بعد انتقاله إلى رحمة ربّه، مقالا عنوانه: آخر المحترمين، وللأسف فقد خلّف أمانة لم يصنها كثير ممن بقوا بعده.
كم مكثت في الخبر الأسبوعي؟
نصف سنة ثم غادرت.
بسبب ماذا؟
بسبب الحصول على منصب أستاذ، بمعهد تكوين الإطارات الدينية بتيزي وزو.
بأية عقلية مارست تلك المهمّة؟
كنت أنوي إحداث تغيير في البرنامج المتخلّف المسطّر من طرف وزارة الشؤون الدينية، والذي يعمل على تفريخ أناس يساهمون بوعي أو بدونه، في تعميق الأزمة وتوريط بيوت العبادة في تدمير البلاد.
كم مكثت هناك، وهل نجحت في رهانك؟
بقيت ثلاث سنوات بين تيزي وزو وتلاغمة، وكان توفيقي ضعيفا جدا.
لماذا؟
لسببين، يرجع أوّلهما إلى انتماء قطاع واسع من الطلبة إلى الطبقات المحرومة، بحيث أنهم يقبلون على تلك المعاهد بعد تسربهم المدرسي، سعيا وراء تحقيق راتب شهري، بعد تخرّجهم، وبعد أن يحصلوا عليه يلاحظون أنه لا يكفيهم، فيلجؤون إلى ممارسات أقرب إلى الشعوذة منها إلى الشرع الحنيف، الشيء الذي يجعل صورتهم تهتزّ لدى الناس خاصة الشباب، ويلمّع صورة السلفيين، الذين يستغلون الوضع للتغلغل في المجتمع وضرب المرجعية الدينية للوطن.
والسبب الثاني؟
تواطؤ الوصاية.
كيف؟
من خلال سكوتها على هذه الممارسات، وتكليف أناس لا علاقة لهم بهذا القطاع الحسّاس جدا، لكونه يتدخل مباشرة في تكوين الضمير الدين للناس، والذي على أساسه يقبل الفرد الأمور أو يرفضها.
هل توقفت عن الكتابة الصحفية في تلك الفترة؟
توقفت عن النشر، لكنني لم أتوقف عن الكتابة، أثناءها ألفت كتابي الأوّل "القرار السياسي في الخلافة الراشدة".
وهو مبحث حاول تأصيل المقولات الإسلامية في السياسة، ألا تراه نوعا من التعاطي السلفي الذي ترفضه؟
بالعكس، قصدت دعوة التيار الإسلامي إلى مراجعة تراثه المؤسس لخطابه، كونه يتحدث عن مرجعية لا يفهم حقيقتها، ولا يملك أدوات تحقيقها في الميدان، في ظل المعطيات العالمية الجديدة.
كيف تلقّى الإسلاميون هذا الكتاب؟
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ