كنتُ أستعمر زاوية في أحد المقاهي التي على أرصفة ساحة أودان، [ لا يخضع المقهى للتأنيث والتذكير في آلجي ]، تارة أسرّح أفراس عينيّ تركض في أوجه العابرات والعابرين، وأخرى أنكمش على نفسي أحدث اللهَ والإنسان فيها، وإذا بعلي بلميلود يطلع على غير المتوقع... أقول على غير المتوقع بالنسبة لتلك اللحظة بالذات، أما على العموم، فهو سيد المفاجئآت، جلس في هدوء من أحسّ بأنه غير مرغوب فيه، لا لأنه سيء، ولكن لرغبتي في أن أختلي بنفسي وسط الناس/ احترم شرودي فلم ينفجر بالكلام إلا بعد مدة تعوّدت فيها على أنه موجود.
قال: البارحة كنت أشاهد مسلسلا تركيا عنوانه سنوات الضياع، وهناك أدركت أن أوربا محقة في تخوفها من ضمّ تركيا إليها، قلت: هل قيل هذا في المسلسل؟، قال: ليس تصريحا بل تلميحا، قلت: وكيف ذلك؟، قال: بينما كان البطلان يتحدثان في مشهد لحي شعبي في استطنبول، كان في الخلف طفلان يلعبان لعبة السيوف، قلت: ماذا أردت أن تقول؟، قال: لا يزال الطفل في تركيا ـ رغم ثمانين سنة من التربية العلمانية ـ يكبر على السيف والحصان كرمزين شرقيين يلخصان مفهوم الفحولة لديه، وهو مخيال يعصمه ـ مهما انخرط في الحياة المدنية الغربية ـ من النسيان الحضاري، قد يتناسى لكنه لا ينسى كونَه مسلما، والدليل أن الشارع التركي عاد بعد أربعة وتسعين عاما، فمكن الحجاب من الوصول إلى الكرسي الذي كان يجلس عليه أتاتورك، وعلينا أن نكون موضوعيين مع أوربا، باعتبارها مجموعة حضارية مغايرة، فنتفهم ترددها في ضمّ تركيا إليها، فمن حقها أن تخاف على نسيجها الثقافي، ومنه على حضورها السياسي في العالم، من إضافة خلايا مغايرة إلى جدسدها الحضاري، لكن لا يمكن أن نتفهم تركيا، وهي تلهث وراء هذا الحلم الأوربي، وكأنها لا تعي سنن الحضارات في الرفض والقبول، يجب أن تفهم أنها أصبحت حديثة على مستوى وسائل العيش فقط، أما على مستوى المخيال، فهي ما زالت متجذرة في اللحظة الإسلامية، مثلها مثل إيران وباكستان وماليزيا، وأنها لا يمكن أن تصل إلى أسوار فيينا مرة أخرى إلا بالسيف، كما في المرة الأولى، وهذا صعب جدا عليها اليوم، أما أن تعود بدعوة سلام من أوربا، فهذا أصعب أصعب في نظري، ولو وجهت نصف جهودها الأوربية، إلى العالم الإسلامي لاستطاعت أن تكتسب حصانة وانتشارا يعودان على حضورها الاقتصادي والثقافي بالخير الوفير، على تركيا يا صديقي بوكبة، أن تدرك حقيقة تاريخية، يمكن أن تتخلصها إذا أدركتها جيدا، من سنوات الضياع، قلت: ما هي يا بلميلود؟، قال: أن تدرك أنها خرجت من الأرض العربية، لا لأنها كانت آخرَ في نظر العرب، ولكن لأنها كانت مستبدة، بينما خرجت من الأرض الأوربية، لأن الأوربيين كانوا يرونها آخر فعلا، ومن تربى وهو يراك آخرَ، لا يمكن أن يراك منه عندما يكبر، بينما يمكن لمن كبر وهو يراك مستبدا، أن يغير رأيَه فيك إذا غيرت سلوكك معه، ولتركيا اليوم أكثر من فرصة للامتداد الثقافي والاقتصادي في الوطن العربي، وللعرب أكثر من فرصة للاستفادة من هذا الحضور التركي السني، لخلق توازن بينهم وبين الكيان الشيعي الإيراني، كما أنها فرصة لتطويق إسرائيل من الشمال، ما رأيك؟، قلتُ: مرّت خلفَك فتاة جميلة جدا كأنها تركية يا بلميلود، يا الله... ما أجملها، قال متلهفا: هل هي جديرة بأن أقاتل من أجلها بالسيف؟، ضحكت حتى ساحت زجاجة البيبسي على قدمي: فعلا ... التركي أخو العربي في المخيال، والحسناوات الأوربيات لا يملنَ إليهما إلا إذا أعياهن تخنث فتيان أوربا، ضرب الطاولة بقبضة إنكشارية وغاب/ في الليل... هاتفني بهمس: ما قلته لي صباحا فيه ذكاء كبير، قلتُ: ماذا قلتُ؟، قال: على تركيا أن تنتظر مزيدا من الوقت حتى تتخنث أوربا كلية، وهناك سيصبح انضمامها للاتحاد الأوربي، مطلبا نسائيا أوربيا، قصد الاستفادة من فحولة شبابها، قلت: شريطة أن تشرع من الآن، في تحصين ذكورها من التخنث الذي أصبح معولما، وإلا فالأمر سيان، قال لي قبل أن يغلق الهاتف: لا تخف يا صديق... فالشذوذ في الغرب فعل ينطلق من فلسفة فاعلة، وبالتالي فهو متجذر في النفوس والنصوص، أما عند المسلمين، فهو مجرد رد فعل عولمي لا أكثر، وسيزول بمجرد أن تصبح الفحولة مطلبا غربيا
إيه يا صديقي...
كم كان ابنُ خلدونَ عظيما.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 09:12 صباحاً ::
السلام عليكم :
سأعود للقراءة لاحقا لأن الأمر يتطلّب التواجد في مكان يسمح بالإستعانة بالقواميس وبكتب التاريخ وسقوط الدُووولة العثمانية .
أدعوك لزيارتي في جزيرة الملح .. هناك نص به شيء من شبهة الشاعر يا شاعر لم يشأ أن يشعر بوجودنا في ساحة الثقافة الجزائرية واكتفى بمصافحة عابرة تلك اللحظة .
عبد الرزاق لك في خارطة القلب كثيررا من المودة و التقدير فهل تذكرني..
فعلا كم كان ابن خلدون عظيما .....وانا ارى ان هدا التلميح في محله ...ففيه شدة الملاحظة ......وكانت الملاحظة في مسلسل......يعني لن يلاحظه الا كل فطن اما نحن فشعب متعطش اما للكوميديا واما للاحداث الدراميةالمتسلسلة والمواقف العاطفية.فبكل بساطة نحن عاجزون حتى على التحليل لهدا فنحن نستهلك فقط....فلك كل التقدير....شكرا
