كم أحبّ أن أستعمر زاوية في إحدى المقاهي المزروعة في ساحة أودان، وأطلقَ أفراس عينيّ كي تركض في وجوه العابرات والعابرين/ الملامحُ كتب تتطلّب سطورُها فضولا خاصّا، لا يتأتى لمن يؤمن أنّ المعرفة في بطون الكتب الورقية فقط/ قال لي صديق شاعر، وقد حكيت له ذلك: تتطلب شهوة أم فضولا؟، فشاكسته: شهوة المعرفة، تخلق شهوة الفضول، ونحن في الحقيقة لا نكفّ عن إبداع الجديد، بفقداننا شهوة الفضول، وإنما بفقداننا شهوة المعرفة، خاصّة إذا كبرنا واعتقدنا أننا أصبحنا عارفين/ شعورنا الدّائم بالجهل، أو بعبارة أدقّ: شعورنا الدّائم بالخوف من الجهل، هو صمّام الأمان الذي يقينا شرّ فقدان شهوة المعرفة، ولأننا لا نملك موهبة قراءة الوجوه، أو نسارع إلى التشكيك في طبيعة من يملكها، فقد بقي الوجه الجزائري كتابا محروما من أن يقرأه الناس، أين الوجه الجزائري بكل تضاريسه التي اكتسبها عبر تراكمات التاريخ، في رواياتنا ومسرحياتنا وأفلامنا ولوحاتنا؟، بل وفي دراساتنا الإنسانية المختلفة؟/ أكاد أغامر فأقول: إنه راح ضحية إهمالات المثقف، أكثرَ ممّا راح ضحية إهمالات السّياسي، وهذا ليس دفاعا عن السياسيين كما سيسارع البعض إلى فهمه وإفهامه، ولكنه هجوم على الذوات المثقفة التي أوغلت في القفز على كثير من الشروط التي تعطي للمثقف مفهومه الحقيقي/ اصطحبت مرة صديقا شاعرا، إلى ملتقىً أدبي ليكتشف ويكتشفه الناس، فقال لي ونحن نعود: إياك أن تدعوني مرة أخرى، إلى مثل هذه المحشاشات، فسألته على الطريقة التي في كليلة ودمنة: وكيف ذلك؟/ قال لي: لم أسمع ـ على مدار ثلاثة أيام ـ، إلا النكت الجنسية وأخبار النميمة، في ظل الأحداث الخطيرة التي تلفّ العالم اليوم، وكلها من صميم اهتمام المثقف، فكيف يجيز هؤلاء لأنفسهم أن يعتبروها ضميرَ الأمّة، ويتباكون في المنابر الإعلامية، على تراجع منسوب المقروئية؟/ أليس ذلك الإنسان المجهول الذي أبدع تلك النكت التي يتبارون بها في ملتقياتهم، وهم نخبة المجتمع، أبلغَ وأذكى مما يكتبونه؟/ خذ مثلا هذه النكتة: النسر طائر حرّ يأكل السمكَ والأرنبَ البريَّ وهو يعدو، ولا يبني عشه إلا في متناول المستحيل، عكس اللقلق الذي يأكل الدّيدان والحشرات، ويبني عشّه في متناول الأطفال، وذات يوم نفحت لبلارج أن يجاور النسرَ، فاختبره هذا الأخير بقوله: نفحت لي في حَجّة، وأريدك أن تتكفل لي بالفراخ حتى أعود، وحين عودته صُدم بفراخه يكادون أن يموتوا من الجوع، لأن اللقلق كان لا يأتيهم إلا بالديدان وهم يعافونها، فأقسم النسر: ورأس أبي سيّد الأجواء، لأمزقنك تمزيقا، وهجم عليه فشقه من رأسه إلى صدره حيث يُفترض أنه مأوى القلب، فلم يقل: آه قلبي/ واصل النسر تمزيقه حتى أتى على مؤخرته، فقال اللقلق: آه قلبي، قال له النسر: وحق أبي سيد الأجواء، لو دريت أن قلبك في ذيلك، ما طرت عليك هذه الطيرة/ لاحظْ ـ يضيف صديقي ـ أليست هذه النكتة أبلغَ من بعض الكتب الأدبية التي ينشرها كتابنا؟/ لقد بات في الشارع ذكاء، أعمق ممّا ينتجه الفنان الجزائري [ الأمر ليس للتعميم ]، لذلك لم يهرب مستهلكو الفن والأدب عندنا، إلى منتجيه في الغرب والشرق، انسياقا وراء عقدة النقص، أو نظرية الغالب والمغلوب، وإنما بحثا عن جرعة أكبر من الذكاء والجمال، والحديث قياس على المجال الديني، حيث أصبح تفكير ووعي الشاب الجزائري، يضيق عما يكتبه الجزائريون من الفكر الديني، فاستدعوا فكرا من خارج الجزائر، والنتيجة أن الوجه الجزائري في الفن والدين، أصبح بلا ملامحَ وطنية، قلت له: لذلك أحب أن أستعمر زاوية في إحدى المقاهي المزروعة على جنبات ساحة أودان، وأسرّح أفراس عينيَّ تركض في وجوه العابرات والعابرين/ ما أعظم شارع ديدوش مراد، إنه أكثر المرايا قدرة، على تقديم ثراء الوجه الجزائري، شقراوات وسمراوات/ قصيرات القامة وفارعاتها / ذوات العيون الزرقاء وذوات العيون الخضراء/ الناطقات بالعربي والناطقات بالفرنسي والناطقات بالأمازيغي/ الموغلات في الموضة، والموغلات في الحجاب، فكأنه شارع للسياحة العالمية تصب فيه كل الأعراق، وليس شارعا جزائريا صافيا/ إن ديدوش...، دليلنا المتحرك على أننا بوابة العالم، انصهرت فيها الأعراق والثقافات، في خلطة جميلة تسمّى الجزائر [ لاحظوا بناء الكلمة القائم على الجمع ]، فلماذا تناضل أطراف منا [ لا ألوم الأطراف الخارجية، لأنها منسجمة مع منطقها الاستعماري القديم، وما دعاوى التنصير إلا جزء من ذلك المنطق ] على أن تصفي هذه الخلطة، عوض أن تناضل من أجل الاستثمار فيها إيجابيا، حتى يكون ثراء الوجه عاملا جوهريا في جماله، لا عاملا في تشوهه.
الحاصول: انسحبتُ من زاويتي في مقهى أودان، مدججا بعشرات الملامح التي عبرت علي، وانزويت في مسجد الرّحمة في ميسوني، فحزّ في نفسي أن رأيت اللباس الحجازي والأفغاني والفرنسي و...، ولم أرَ اللباس الجزائري، بحثت عن مصحف بالخطّ المغربي، فوجدته بعد عناء بين العرصات، فتحته... ورحت أقرأ سورة البلد.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 01:20 مساءً ::
