الريشة فوق القصبة

إيهِ... في حذائه شيء من طين قريته وفي رأسه شيء من مطر السماء.

الأربعاء,حزيران 11, 2008


pic01كان يوما حلوا مارسَ فيه الربيع أجمل استعراضاته، وكان إحساسي بالكآبة خريفا استولى على جميع جوارحي، لست أدري كيف حصل لي ذلك، رغم أنني لا أعاني مشكلا واضحا، كآبة غامضة وإحساس داخلي بالقرف، جعلاني لا أستطيع أن أستمتع بأيّ شيء كان من دواعي سعادتي في السّابق، كأن أواجه البارابول برغبتي في الانتقال بين المحطات، بمعدل دقيقة لكل محطة، وبمرور ساعة، أكون قد التقطت ستين مشهدا مختلفا، ثم أعجن تلك المشاهد فيما بينها، فأخرج بحالة ما أستثمرها إبداعيا، وقد فعلت ذلك صباحَ هذا اليوم الحلو الذي مارس فيه الربيع أجمل استعراضاته، فلم أزددْ إلا كآبةً وقرفا،... قرف... قرف... قرفُ.

ستّ دقائقَ مختارة:

1 / حوار معادٌ مع فضيلة الفاروق على تلفزيون دبي، تسلخ فيه أحلام مستغانمي سلخا، وتمدح فيه غادة السمّان مدحا، بلهجة لبنانية لم أجد لها مبررا، وهي التي كثيرا ما كتبت أن الفضائية الجزائرية لا تقدم الخصوصيات الوطنية.

2/ سلمان بن فهد العودة يتحدث على قناة الآم بي سي عن العلاقات العاطفية بين الشباب.

3 / أغنية حزينة جدا على القناة الكردية آم آم سي، مصحوبة بمشاهدَ ترصد خصوصيات الأمة الكردية.

4 / شريط جنان حية في الأرض على الجزيرة الوثائقية، حيث رأيت دبا يفترس غزالا رضيعا.

5/ تركي الدخيل في حوار على قناة العربية، مع بسنت رشاد حول كتابها الذي  كُفّرت بسببه: الحب والجنس في حياة الرسول عليه السلام.

6/ شريط في آرتي عن تقنيات الضوء في الفن التشكيلي الوسيط.

انخرطت في العاصمة ماشيا، أبحث عن متعة مضادة للقرف، فالتقطتْ أذناي حوارا ساخنا بين شابّ مهندم، وآخرَ يبدو أنه من قيادات التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، بحكم أن الحوار كان يجري أمام عتبة مقر الحزب في ديدوش مراد.

الشاب: أنتم حزب لا يمكن أن يثبت وجودَه إلا بتدخل طرف قوي خارجه، ففي التسعينيات طلبتم يدَ الجيش، والآن تطلبون يدَ أمريكا.

القيادي: وهل تريدنا أن نستعين بهذه السّلطة الفاسدة؟.

الشاب: بل استعينوا بالشعب إن كنتم صادقين، وحتى تحققوا نجاحا في ذلك، عليكم أن تعرفوه أوّلا.

القيادي: ........................

لم أتمكن من التقاط ردّ القيادي، لأن طفلا صغيرا اصطدم بي، حملته بسرعة ورحت أقبله بحرارة، وهو يعبث بصلعتي في عفوية رائعة، حيّاني أبوه وهو يضحك، التفتّ فإذا هو شاب ملتح وعلامات البؤس بادية على قميصه، قلت له: دعني أحمله إن كانت وجهتك ساحةَ أودان فأنا أحبّ الأطفال، ومشينا جنبا إلى جنب نتحدث عن موضة اختطاف الصّغار، استوقفتني زميلة صحفية تسألني عن موضوع مقالتي القادمة في المحقق، فعرف أنني صحفي، هل فعلا أنا صحفي؟، قال لي: لماذا لا تكتبون عن المغابين؟، قلت: مثلا؟، قال: عنا نحن الذين كنا في الجبال، ثم وضعنا السلاح في إطار المصالحة الوطنية، وعدنا إلى بيوتنا، هل تدري أننا نعاني كثيرا يا أخي؟، قلت في نفسي: لو تمّ هذا اللقاء قبل سنوات لكنتُ ذبيحته التي يتقرّب بها إلى الله، ثمّ سألته: وما هي أوجه معاناتكم؟، قال: هذا ليس حديثَ شارع، زرني في بيتي وسأحكي لك ما يدوّخك، طلبت منه هاتفه، فلم يكن له هاتف، أعطيته هاتفي وطفلَه ثم افترقنا...، بعد خطوات... بدأت تلك الكآبة الغامضة تنقشع عني... يا سبحان الله... ماذا حدث؟، جاءني صوت عميق من داخلي: أنت على موعد كبير مع حوار كبير، إرهابي تائب يريد أن يحكي تجربته، إنه الحوار المغيّب... التغييب الذي من شأنه أن ينسف السّلم الذي حصدناه بشقّ الأنفس.

مخرَج: كان يوما حلوا مارس فيه الربيع أجمل استعراضاته، وأصبح شعوري بالسعادة ربيعا داخليا استولى على جميع جوارحي، لولا أنني نسيت أن أشتري للطفل هدية.