قال لي: لا يوجد جزائري واحد يقطن في المدينة لا يملك جذورا في الدشرة، ولا يوجد قاطن في الدشرة لا يملك قرابة في المدينة، بمعنى أنّ ذاكرة المدينة الجزائرية قروية، في حين أن مستقبل القرية في الجزائر مدني، أي أن مدنا قادمة هي في الأصل قرىً سمُنتْ، فإن أحسنّا التخطيط لها، فستكون بديلا ثقافيا وأخلاقيا للمدن العتيقة المترهلة، بحكم أنها ـ أعني المدن الجديدة ـ ، أقرب إلى الجذور من جهة، وأكثر تطلعا للتمدن من جهة ثانية، وإن تركناها تنمو ارتجاليا، فستنظم إلى قائمة المدن الإسمنتية التي تنتج الجريمة، ويومها سنجد أنفسنا لا نحن حافظنا على قرية، ولا نحن ربينا مدينة، وهي نسخة أخرى من صورة الإنسان الأول، الفرق بينهما فقط في سرعة الانتشار.
قلت له: ماذا جلبت لك فاطمة من قرية جدها؟، قال: سلة خضر طبيعية... لونها... ذوقها... حجمها طبيعي، وأنت بألف صحة وشفاء، هل تعلم أنني وضعتها فوق الطاولة ورحت أخاطبها كأنها كائنات حية؟، قلت لها: نلت من الماء والشمس ما نلت، فأنت فعلا خضر لا اصفرار فيها، وقد أصابتني العلة في العاصمة من الخضر التي لا اخضرار فيها، وتذكرت جدي فبكيت، كان يقول لي: اليد التي لا تنتج ما يأكل الفم، يد تستحق أن توضع في الوراء، وها نحن يا سلتي الجميلة بتنا لا ننتج خضرنا ولا فوكهنا ولا قمحنا ولا شعيرنا ولا حليبنا ولا زبدتنا، رغم ذلك نرفع أيدينا عاليا، وهي تستحق أن تقصّ وترمى، فعلى الأقلّ قد تصلح طعاما لكائنات أخرى ساعة من الزمن، والزمن؟.... أين نحن من الزمن؟، قلت لصديقي بوكبة ذاك النهار، ـ هو يخاطب سلة الخضر التي جلبتها له فاطمة من القرية ـ: في القنوات الفضائية الغربية، يحددون سنّ المشاهدة أسفل الشاشة، أما عندنا نحن العرب، فالكل كأسنان المشط في قمّل الفضائيات، ثم هل هذه الإشار [ أقل من 18 أو 16 سنة ] تعنينا مثلما تعنيهم؟، ما دمنا مختلفين في شروط العيش والتربية؟، بحيث أن الشاب عندنا قد يبلغ الأربعين ولا يستطيع الزواج، مع خضوعه لأكثر من وازع أخلاقي، فهل نقول له: أنت تجاوزت الثمانية عشر عاما، ولك الحق في المشاهدة، وفجأة رنّ اسم فاطمة في النقال، فأدركت أنني كنت أخاطب سلتها.
آه يا فاطمة ـ قلت لها ـ لو تدرين شوقي إلى الزواج منك أو بك أو فيك او عليك أو لك، المهم أن نتزوج واليذهبْ بوكبة اللغوي إلى الجحيم، قلت له: لا بأس يا بلميلود، لي جحيم العزوبية ولك جنة الزواج، المهم أن تكون في مستوى المسؤولية، أما أن تأتي ببنت الناس، وتعاملها كسلة الخضر، تكلمها ولا تأكلها، فستأكل رأسَك.
مسح رأسه كقرد، واختفى في غابة الشارع.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 06:29 صباحاً ::
رائع يسلموا
