الريشة فوق القصبة

إيهِ... في حذائه شيء من طين قريته وفي رأسه شيء من مطر السماء.

الخميس,تموز 24, 2008


artaraمدخل: شابان لا يتجاوزان العشرين، يتجاذبان أطراف السياسة، في مقهىً شعبي بالعاصمة، كانا يستمتعان بحديثهما وقهوتيهما الخاثرتين، بشكل لفت انتباهي أنا الغارق في الشاي والكلمات، ورائعة خلخال عويشة تنبعث من عمق المكان، فتجعلك تتنفس تحت الماء.

البوابة المفتوحة:

الشاب الأول: على بالك أنا طموح جدا، لكنني لا أطمح أبدا إلى أن أصبح في مكان جورج بوش.

الثاني: اطمئن... سوف لن تكون.

الأول: أعلمُ...، لكنني أتحدث من منطلق أنني أرثي لحاله، فقد بات أداة غبية في أيدي هواة تدمير العالم، حيث زرعوا بواسطته ثقوبا عميقة في مناطقَ حساسة، من شأنها أن تهدد الدنيا كلها، وأبرز وجه من وجوه حساسيتها، الوجهُ الديني، خذ مثلا فلسطين ـ لبنان ـ العراق ـ السودان، كلها مفاصل مهمة في جسد الحضارة الأسلامية، واليهود يدركون جيدا خطورة بقائها قوية عليهم، فدفعوا إدارة بوش إلى محاولة كسرها، على حساب الشعب الأمريكي نفسه، وهو بهذا لم يثقب العالم فقط، بل ثقب بلاده أيضا، إذ لم تعد أمريكا حلم شعوب العالم كما بقيت أوربا، بل كابوسا يشبه الزلزال.

الثاني: سامحني خويا لوناس...، هو على الأقل ثقب الآخرين، أما شعبه فيعيش في رفاهية وسلام، والمواطن الأمريكي لا يهمه كيف ينظر إليه الآخرون ما دام يشعر فعلا بالقوة والمساواه، وبوش بهذا أحسن عندي من الحكام العرب، الذين ثقبوا شعوبهم اقتصاديا، ومهدوا كل الظروف لأمريكا كي تثقبهم ثقافيا وحضاريا، فنحن نعيش بين ذلين: ذل المعيشة وذل الهيمنة الأمريكية المتصهينة، رغم كل الخيرات التي تزخر بها بلداننا.

الأول: لماذا لا تقول أن الحكام العرب، يلعبون دور العازل بين أمريكا وشعوبهم، ولولاهم لأصبحنا جميعا عراقا، ألم يتفريك العراق بسقوط صدام حسين؟.

الثاني: ذلك لو كانت هيمنة أمريكا قدرا من الله، بحيث لا يمكن التخلص منه، أما أن تكون هيمنتها مربوطة بقهر الحاكم العربي لشعبه وقهر القانون والديمقراطية بينه وتهميش الكفاءات وتغليب الولاءات وتغذية النعرات، فتحليلك مرفوض.

الأول: ما افهمتش.

الثاني: شوف...، كل حاكم عربي عاش في السلطة عشرين عاما على الأقل، ما عدا الجزائر ولبنان فهما من طينة أخرى، فما الذي يخسرونه لو يستيقظون صباحا ويعلنون انتخابات حرة؟، ألا يدخلون التاريخ من بابه الكبير؟.

الأول: وبذلك يقدمون بلدانهم على طبق من ذهب للدبابات الأمريكية، المصحوبة بدبابات العالم.

الثاني: إذن أين الحل؟.

الأول: في التفعيل الثقافي.

الثاني: يا حسراه... أنت تعرف المثقفين العرب، من الحانات لا يخرجون

وإن التزموا بقضايا الأمة باتوا إرهابيين.

الأول: لكنه الحل الوحيد... السلاح الثقافي والإعلامي، علينا أن نقنع شعوب الغرب بأنها ضحية أنظمتها في طبيعة النظر إلينا وإلى ثقافتنا، وحتى المتطرفون منا، هم في الحقيقة صنيعة المخابر الغربية نفسها، لخلق مبرر يستفز الشعوب الغربية إلى تبني النظرة الرسمية إلى الإسلام والمسلمين، بينما نحن في الأصل شركاء في الفضاء والعطاء، وعلينا أن نكون شركاء في الاحترام والتواصل، وإذا تفطنت هذه الشعوب إلى الأمر، فإنها ستستغل الميكانزمات الديمقراطية التي تحكم حياتها السياسية، في تأخير أمثال بوش، وتقديم غيره ممن يؤمن بالسلام والاحترام الحضاري، فنستفيد نحن من وجوده في الإدارة، مع تحريك ميكانزمات أخرى داخل منظوماتنا.

الثاني :هل تعتقد أن ذلك يمكن أن يحدث؟.

الأول: عندما كان صوت العقل عاليا في الغرب، كانت صورة نبينا صلى الله عليه وسلم، مشعة بالإجلال والتقدير على ألسنة كبار الفلاسفة والفنانين مثل فولتير وجوته وأينشتين، ومنهم في وعي الإنسان الغربي، لكن بمجرد أن تحكم اليهود في زمام الإعلام والثقافة في الغرب، تراجع صوت العقل الغربي، وطفت الأحقاد كما ترى اليوم، إذ بات نبينا يهان يوميا على يد رجالات الثقافة والإعلام قبل غيرهم من شرائح المجتمع، علينا أن نساعد الغرب على العودة إلى عقله.

الثاني: ونحن العرب؟، هل نبقى نواجه بدون عقل؟.

الأول: شفت؟، هذا الذي قصدته بالسلاح الثقافي.

البوابة الموصودة: غادرت المقهى بعدهما بقليل، انخرطت في شارع ديدوش مراد، ورأسي يفور مما سمعت من شابين لا يتجاوزان العشرين، [ أقسم إن الحوار حقيقي جدا، مع الإشارة إلى أنهما كانا يتكلمان بالدارجة المخلوطة بفرنسية]، توقفت عند بوابة اتحاد الكتاب الجزائريين هنيهة، ثم واصلت طريقي... كانت موصدة.