حطت بنا الطائرة على مطار السانية صباحا، ماذا هناك؟... إن الطائرة لم تتأخر/ قلت لصديقي أحمد سليم رفيقي إلى الأبواب المفتوحة على التلفزيون بوهران، وكانت شوارع وهرانَ دبيبا، كم يغريني دبيب هذي المدينة بالكتابة، هناك مدن تغرينا بالنوم وأخرى بالحركة، وأخرى بالصلاة وأخرى بالصعلكة، وأخرى بالتفكير وأخرى بالنسيان، وأخرى بالـ......، ووهران تغريني بالكتابة، المدن التي لا تحرّض على إنتاج الفن، مجرّد تجمّعات إسمنتية تنتج قسوة القلب كأنها بدائية، لا رحابته كما تفعل المدن الحية، المدينة نتاج رغبة الإنسان في الاندماج، والاندماج يقتضي الإيمان بالشراكة بل والتلذذ بها، وقسوة القلب تلك، في المدينة الإسمنتية التي عادة ما تنام باكرا وتستيقظ متأخرة، كأن سكانها يخافون من بعضهم، تنتج بالضرورة الأنواع المعروفة من الجريمة، وإن لم يكن هناك وعي بالأمر من طرف المؤسسات الرسمية والمدنية، يكون مرفوقا بحركة مدروسة ومنسّق فيها، فإنها تنتج أنواعا جديدة من الجريمة لم تكن معروفة أصلا، إلى درجة أنها تفاجئ منظومة القضاء، فتبادر إلى إنتاج تشريع جديد يحتوي هذا المستجد من الجريمة، وفي ذلك دلالة إيجابية على تفاعلها، كما أن هناك دلالة سلبية على أن المبادرة ـ الفعل بيد الشارع لا بيدها هي، حيث تكتفي برد الفعل، تماما كما هو الحال مع مؤسسة المسجد، إذ لو تأمّلنا خطب الجمعة، فإننا سنجد معظمها ردودَ أفعال لا أفعالا تحمل وعيا جديدا بالدين والدنيا يتغذى منه الناس، وإن أيّ إصلاح خارج إعادة القدرة للمؤسسات على إنتاج وعي جديد، يعدّ خطوة مرتجلة.
ملاحظة: حتى البهلوان الذي يراهن على فوضوية الحركة في جلب الانتباه، يتحرك بقصدية.
كان إقبال الناس كبيرا على الأبواب المفتوحة، وكنت وأنا أستقبل بعضهم في جناح التوقيع، أو في الأروقة أحاول أن أعرف عقلياتهم، إلى درجة أنني استفدت منهم أكثرَ مما استفادوا مني، كنت أسأل أكثر مما يسألون، وأمنح الحميمية أكثر مما يمنحون، حتى تكون جرعة الصدق في التواصل أكبرَ، والحقَ الحقَ أقول إنها كانت تجربة رائعة ومفيدة، بالنسبة لنا نحن الإعلاميين، وللتفزة كمؤسسة تفاعلية، الجمهور المرآة... الجمهور الحكاية، إذ كان لكل زائرة أو زائر حكاية، وكان أكثرَ ما يؤلمهم أنهم لم يجدوا من يستثمر في حكاياتهم، ولا يعتبرها تافهة لا تستحق البروز، لست أدري هل انتبه السينمائيون الذين كانوا حاضرين هناك إلى هذا المعطى، أم أنهم اكتفوا بالتقاط الصور؟.
قال لي فيصل، وهو بليدي يدرس علم اجتماع الاتصال بجامعة وهران، في معرض حديثنا عن المدينة: مقياس المدينة في كونها حقيقية أو مزيفة، هو مدى حبها للفن، وتشجيعها على إنتاجه، وتكفلها بالمبدعين، ثم ذهب عميقا في تحليله: شوف خويا عبد الرزاق... الحركات الثورية التي لا تنتج فنا يرافق حركتها العسكرية، حركات مغشوشة في منشأها، منتهية في مستقبلها، قلت: كيف خويا فيصل؟، قال: خذ القاعدة مثلا، لم يرافقْ وجودَها شاعرٌ أو كاتب أو مسرحي أو تشكيلي ما، حتى الأناشيد الدينية لم ترافقها، إذن هي حركة مفتعلة من أجل إحداث خلخلة ما في منظومة ما، وستنتهي بانتها دواعيها السياسية البراغماتية.
كانت نوّارة... أجملَ زائراتي، وأثقفَهن وألذهن حياءً... كانت بنتَ المدينة التي تنتج الفن.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 01:33 مساءً ::
