قلتُ: دعْني يا بلميلود... دعني، فأنا حابس من مخي هذه اللحظة، ولا أملك قطرة من رغبة في الكلام أو الاستماع أو الكتابة أو التنشيط، قال: حتى توقفُ المخ يحتاج إلى أمر من المخ، فما الذي حدث لك حتى أمر مخُك نفسَه بالتوقف؟، قلت وأنا أبذل جهدا ثقيلا في أن أستوعبَ كوني أمارس فعل الكلام: ربما عاتبتْ روحي مخي، على أنه أصبح لا يسمح لها بالتدخل في تحديد نظرتي إلى الأشياء، مما أشعره بعدالة عتابها، لأن العقل الذي لا يأتي الفسادُ على كلّه، منصف بالضرورة، فاستقال لها مؤقتا، قال: ولا شكّ في أنها لم تعاتبه في هذه الأيام بالذات، إلا لأنك عشتَ تجربة صوفية عالية، أراكَ تخفيها عني، وأنا هنا لا أعاتبك على الإخفاء، لأنه يتعلق بأمر خاص بك وحدك... التصوف حالة فردية قبل أن تكون حالة جماعية، بل إنه يفقد كثيرا من حرارته الروحية والرؤيوية، إذا عُمّم لأنه يقع في التنميط ثم في التسطيح من خلال إدماج العامة في عوالمه العميقة، فتحوله من لحظة روحية وفكرية كاشفة، غير قابلة للكذب، إلى لحظة طقوسية جماعية مفتوحة على التقمص الكاذب، وإذا تأملنا النزوع الصوفي الجزائري الجديدَ، فإننا نلاحظ أنه كاذب في كثير من توجهاته، بسبب تبنيه من طرف أناس لا علاقة لهم بالزاوية بكل المفاهيم والممارسات الأصيلة التي اكتسبتها بفعل تراكمات التجربة الصوفية في المغرب العربي/ أرض الولاية كما يقول ابن خلدون، فقط لأنهم رأوا النظام الحالي مدّ يدَه للتصوف انسجاما مع قناعاته الوطنية، فركبوا الموجة وأجهضوها من الداخل، تماما مثلما فعلوا مع كل التوجهات الفكرية والسياسية الجميلة منذ الاستقلال.
في هذه اللحظة بالذات اقتحم مجلسَنا صديق صحفي، وعلامات التذمر بادية على كلّه، قلتُ: ما بك يا سفيان؟، قال: هل اطلعت على المشروع الذي اقترحه وزير الاتصال بخصوص حقوق الصحفي في الجزائر؟، قلتُ: هل أعجبك؟، قال: ما لم يعجبني هذا الصمت الرهيب الذي قابلته به الصحافة الخاصة، قلت: كيف؟، قال: عندما كانت الحكومة في السابق تتفادى المصادقة على المشروع، كانت جرائدنا الخاصة تتخذه مشجبا لتعلق عليه نقائصها، بل إنها ساومت به النظام مع منظمات حرية التعبير في العالم، واليوم.. بعد أن أحست بأنه قد يصبح أمرا واقعا، راحت تعتم عليه مخافة أن تجد نفسها ملزمة بمضاعفة أجور عمالها، قلت: اشربْ شيئا، قال: أقسمت اليوم ألا أشرب حلالا، وانصرف بعد أن دفع عنا تكاليف عصيرنا الحلال.
واصل بلميلود كلامه معي وكأنه لم يُقطعْ: وهي فرصة في الحقيقة لأن نعود إلى ذاتنا بكل تراكماتها الصحية عبر التاريخ، لولا هذا التشويش على المسعى، قلت: عن أيّ مسعى تتحدث يا بلميلود؟، قال: عن التصوف، وعن وجوب وعي مؤسسة الزاوية بخطر الدخلاء والطفيليين على صورتها وحضورها، قلت: كيف؟، قال: شوف خويا الصغير... بالأمس عمل الاستعمار على التفريق بين الزاوية والحركة الإصلاحية، ففاتتنا فرصة تاريخية لتكريس تفكير جزائري متوازن يجمع بين العقل والروح، وهي نفس الفرصة التي نعيشها اليوم، قلت: ما هي هذه الفرصة؟، قال: على الزاوية، أن تنقي نفسها مما يعدّ بدعا فعلا، وتخلق حوارا بينها وبين الحركة السلفية، وبذلك يتغذى كل طرف من الآخر ويتخلى عن زوائده المفضية إلى الميوعة أو التطرف، فنعودَ إلى ثقافة الاعتدال التي حافظت على هويتنا الفقهية اثني عشر قرنا... الإسلام الجزائري، وإن أية خطوة تخطوها الجزائر باتجاه مشروع الفضاء المتوسطي، بدون العودة إلى الإسلام الجزائري، يعدّ خطوة في المجاهيل، تماما كما في بداية التسعينيات، وفي هذه يعجبني الرئيس بوتفليقة، قلت: لم تسألني عن التجربة التي عشتها فتوقف مخي، حتى لم تعدْ لدي قطرة من رغبة في الكلام أو الاستماع أو الكتابة أو التنشيط، قال وهو يقف ليختفي: تضغطني الآن بولة عظيمة، والمقهى كما ترى لا يتوفر على مرحاض، حتى وسط العاصمة كله لا يتوفر على مراحيضَ عمومية، إنهم يشجعوننا فقط على الإدخال، ولا يفكرون في الإخراج، رغم أنه فطرة أيضا، ألا يخافون عاقبة ذلك؟ .
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 10:10 صباحاً ::
