كتب إليّ صديق مسرحي جديد، رسالة الكترونية ضمّنها شكرا جزيلا، على أنني حققت له حلما جميلا، راوده منذ سنوات مديدة، هو أن يجد إنسانا جزائريا واحدا، يلتزم بموعد يتفق عليه مع غيره، فلا يأتي إليه بعده بساعة أو ساعتين، أو يعتذر له عن عدم قدرته على الحضور، بعد أن يتركه ينتظر ساعة أو ساعتين، أو لا يكلف نفسه حتى واجب الاعتذار أصلا، وكدت أن أردّ عليه معترفا له بأنني لم أحضرْ في الموعد، التزاما مني بالموعد، وإنما كان الأمر صدفة أو ما يشبه الصّدفة، فأنا أيضا جزائري حتى النخاع في هذا الباب، ثمّ قلت: لن أحرمه من لذة الاستمتاع بالأمر، مع توبيخ نفسي على تقصيراتي السّابقة، وتحريضها على تجاوزها في مستقبل الأيام، وقد نبّهتني رسالة الصّديق المسرحي إلى حقيقة في حياتنا اليومية، هي أنّ كل شيء عندنا بات يسيّره منطق الاستثناء، فيما يخصّ الجودة والإتقان والانضباط، والنتيجة أننا بتنا لا ننتبه إلى الأشياء الجميلة والمتقنة في واقعنا، لأننا بتنا لا نتوقعها أصلا، ما غيّب لدينا ثقافة الشكر والاعتراف، فنحن لا نُطْلق ألسنتنا إلا بالسبّ والشتم والشجب والاستهجان، والأمر متفشّ في كل الطبقات، بما في ذلك الصّحافة التي يُفترض أنها تلعب دور المرآة التي تعكس بنزاهة، ملامحَ الواقع مليحَها وقبيحَها، وقد سألت يوما صديقا يملك جريدة يومية عن الأمر، فقال لي: نحن نتماشى مع الذوق العام حتى نبيعَ، والثقافة التي باتت سائدة في الجزائر، هي اعتبار الحديث عن الجانب الإيجابيّ في أيّ موقف من المواقف، أو سياسة من السّياسات، أو قرار من القرارات، أو مبادرة من المبادرات، نوعا من المحاباة والتواطؤ والانبطاح، فأصبحت الجريدة ذاتُ المصداقية، والمثقف ذو النزاهة، هما اللذان يعارضان كلّ شيئ، ويتفهان كلّ المساعي، ويسوّدان الرّاهن بكلّ تجلياته، وقد انتشرت هذه الثقافة الخطيرة ـ أضاف صديقي مسؤول النشر ـ، كإفراز لانتشار ثقافة معاكسة في المشهد السّياسي، لدى أغلبية رسمييه ومعارضيه، وطوابير المقرّبين منهم والطامحين إلى الوصول بكلّ الأساليب، تقوم على شعار كلّ شيئ على ما يرام، بشكل يكذبه الواقع، ما لفت انتباهَ الناس، فباتوا لا يصدّقون شيئا حتى وإن كان حقيقيا أو جميلا، يستحق التنويهَ به، ويستحق أصحابُه الاعترافَ لهم بالفضل فيه، حتى يتعزّوا فيواصلوا، ويتأسّى بهم من يهاب من إنتاج الحقيقي والجميل، و ينكبح من لا يهابون من إنتاج المزيّف والقبيح، وهكذا نعود إلى الثقافة التي تقوم على شعار: نقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت، وقد وقفتُ في المدّة الأخيرة، على تجاربَ ارتأيت أن أنوّه بها، حتى وإن كانت تبدوا استثناءً.
استثناء الطّائرة: دخلت إلى مطار هواري بومدين/ قسم الرّحلات الدّاخلية، وأنا متأكد من أنّ الانتظار، سيكون وجبتي الرئيسية في ذلك اليوم، وقد احتطت للأمر، فاصطحبت معي مذكرات أورهان باموك، فالمؤمن لا يلدغ من الجحر ستّ مرات، هي عدد رحلاتي الجوية، وقد حدث أن دام انتظاري 16 ساعة، أثناء رحلتي إلى جانت قبل عام، هذه المرّة كان الموعد المحدّد للانطلاق إلى قسنطينة، على التاسعة وعشرين دقيقة صباحا، ولا تندهشوا إذا قلت لكم: أقسم بالله العظيم إنّ الطائرة انطلقتْ على التاسعة وعشرين دقيقة تماما، وأنا فوق السّحاب البعيد، دعوت الله القريبَ: ربّي إهْد المديرَ الجديدَ للخطوط الجوية الجزائرية، إلى أن يجعل هذا الاستثناءَ قاعدة.
استثناء القطار: منذ اكتشفت متعة السّفر بالقطار قبل عقدين من الزّمن، وأنا أفضّله على ما سواه من وسائل النقل، رغم كلّ النقائص التي باتت من هوية القطار الجزائري: التأخر في المواعيد/ انعدام الماء في المراحيض/ نوافذ تغلق ولا تفتح، أو تفتح ولا تغلق/ انعدام الخدمات/ تفشي السّرقة والاعتداءات/ اختلاط المجانين بالعقلاء/ فوضى الباعة المتجوّلين...، وتحقيقا لتلك المتعة، قرّرت قبل فترة قصيرة، أن أسافر عبره من برج بوعريريج إلى العاصمة، فاندهشت لوقوع العكس تماما: انطلاق في الموعد/ مراحيضُ نظيفة مع توفر الماء/ نوافذُ تحت رغبة المسافر فتحا وإغلاقا/ مقصورة صغيرة في كلّ قاطرة، تبيع الضّروريَّ من الأكل والشرب/ حرّاس يتصّدون لكلّ أنواع الاعتداءات/ لا وجود لمجنون واحد/ لا وجود لبائع فوضوي واحد، فكان السّفر رحلة مهرّبة من الجنة/ تساءلت وأنا أنزل بمحطة آغا: لماذا يبقى هذا القطار استثناءً؟.
استثناء النشاط: حضرتُ قبل أسبوعين منودراماً، بدأ متأخرا عن الموعد المحدّد في الدّعوة بدقيقة واحدة فقط، فقلت في نفسي: تعوّدنا على أن نحمّل الرّسميين، مسؤولية التأخرات الحاصلةَ في القطاعات كلّها، ولا شكّ في أنهم ليسوا بريئين من ذلك نهائيا، لكن كيف نفسّر التأخرات الحاصلة في المواعيد التي يشرف عليها رجال من النخبة المثقفة؟، الذين يفترض فيهم أن يكونوا قدوتَنا في احترام الوقت، والدّليل أننا بتنا نذهب إلى أيّ موعد ثقافي، ونحن نعلم مسبقا علم اليقين، أنه من المستحيل أن ينطلق في الوقت الذي قرأناه في الجرائد أو الدّعوات، بما في ذلك النشاطات الدّولية التي ندعو إليها أجانبَ، جاؤوا من ثقافة شعارها: ذو تايم إز موني.
حاصول الاستثناءات: ألا تلاحظون معي، أنّ الموعدَ الوحيدَ الذي لا يتأخر أبداً في الجزائر، هو صوت الأذان؟/ صوت الحق الذي يجعل الأرض عصفورة تحلّق في ملكوت الله؟، فما بالنا لا نتعلّم من الصّلاة التي هي كتاب موقوت [ من دقة الوقت]، احترامَ الوقت؟/ الخشية من ألا تُقبل صلواتنا بذلك، لأننا خلقنا لنعمّر الأرضَ، والتعمير لا يكون إلا باستثمار الوقت، فتفوتنا جنّة الآخرة، مثلما فاتتنا جنّة الدّنيا.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 04:30 مساءً ::
اهلا الاستاذ عبد الرزاق..صح صيامك
انا عبد الحميد كاتب جزائري ساخر مبتدئ جدا..
اتشرف بزيارتك لمدونتي المتواضعة.
الوداع الأخير -1- و -2- جديدي في انتظار مرورك
و أدعوك لزيارة مدونتي رغم أنها ليست في مستوى مدونتك ، فهي لا تزال في مهدها و سيشتد عودها بمثل زياراتك و ملاحظاتك
كما و يشرفني إدراج مدونتك ضمن المفضلة عندي... ننتظر بصماتك
====== تقبل مروري و تحياتي=========
تقدس واديك ....
دعوة للزيارة ، وترك الإنطباع
حملة 100 تعليق ليعود المدون حاج سليمان ...شارك
العودة إلى شريعة الله وتطبيقها حق تطبيق مدعاة إلى تنظيم حياتنا فكما الصلاة نتعلم منها كذلك الصوم يعلمنا المحافظة على الوقت فنحن نمسك بوقت معين ونفطر بوقت معين لا يستطيع أحدنا التأخير ولا التقديم ولا التحايل على هذه الدقة
بسم النور الرحيم
أخي وصديقي عبد الرزاق إنه لتحامل مصطنع أن نقول - سواء من باب التهكم الساخر أو من باب اللعب بالكمات - أن الكل في هذا الجزء من العالم - الجزائر - لا يوفون بمواعيدهم ، وإنه لشىء غير ذي أهمية أن نجعل هذه الفكرة المشكلة " رأس الخيط " كما تردد دائما ..أتمنى من كل قلبي لو ترنو ببصرك إلى السماء ثم السماء لا تحتْ فإن التشابه للرمال وأنت يا عبد الرزاق للأزرق
صديقك عبد الباسط البيروني
