الريشة فوق القصبة

إيهِ... في حذائه شيء من طين قريته وفي رأسه شيء من مطر السماء.

الأحد,تموز 06, 2008


artaraجاءتني ثلاث سيّدات عليهن وقار المعلمات، فقالت لي من بدَتْ أجرأَهن: جئنا نستشيرك في تطوير مشروع أطلقناه منذ عامين، قلت: ما هو؟، قالت: تنازل زوج إحدانا عن مستودعه، فحولناه إلى قسم نعلم فيه القراءة والكتابة للأمّيات.

ولأنني أعرفُ كثيرا من الجمعويين المبزنسين بجمعياتهم ماديا وحزبيا، فقد طرحت على زائراتي الثلاث جملة من الأسئلة التي تقصّدتُ بها معرفة الدوافع التي تقف حقيقة وراء مشروعهن ذاك/ قلت ـ وأنا أبذل جهدا في أن أبدو بريئا: هل يدخل مسعاكن في إطار التعبئة لصالح تيار سياسي معين؟/ ساد بينهن صمت رهيب، ثم تأملتهن فوجدتهن محبطات كأنني طرحت عليهن خبرا سيئا لا سؤالا طبيعيا، وبعد هنيهات رفعت الوسطى رأسَها... دققت في عينيّ جيدا وراحت تقص علي مأثرة دون أية مقدمات: كان أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ يمرّ ببستان عنب، يقوم عليه فتى طيب، وكان الفتى يدعو أبا ذر إلى عنقود عنب كلما مرّ بالبستان فيجيبه إلى ذلك، وبعد مدة قال أبو ذر للفتى: لن أجيبك حتى تشاركني أكلَ العنقود، فأجابه الفتى، وما أن تذوق أولى الحبّات حتى صاح من حموضتها، فسأل ضيفه مندهشا: أكنت تأكله حامضا منذ البداية؟، قال: نعم، قال: لماذا لم تخبرني؟، قال أبو ذر: كنت أرى وأنا آكل عنقودك فرحة في عينيك، فلم أشأ أن أفسدها عليك، تدخلت الثانية، وكانت أكثرهن ابتساما: أجرنا الوحيد على هذا المسعى هو تلك الفرحة التي نراها في عيني عجوز وهي تفك الحرف لأول مرة، تلك التي عاشت في بيئة فيها الراديو والتلفاز وأطفالها المتمدرسون، معقدة بأنها لا تفهم مما تسمع شيئا، بل إنها عاشت معقدة حتى بكونها لا تفهم خطبة الجمعة أو كتاب ربها...، فجأة تجد من يقول لها: تعالي... أنا سأتبرع بقسط من وقتي وأعصابي، وأجعلك تقرئين وتكتبين، أما الأحزاب فأنت تعرف الأحزابَ، لم ترقَ يوما إلى مصاف إفراح الناس، بل إنها لو اكتفت بعدم المساهمة في إطفاء الفرح الموجود عندهم أصلا، لكانت أحزابا جديرة بالاحترام.

خرجت من حضرة الجميلات الثلاث، وأنا مملوء برقي فكري وإنساني ونفسي لا أستطيع كتابته، متسائلا ببراءة هذه المرة: كيف استطاعت الانتحارية حنان قبايلي، أن تصنع الحدث الإعلامي، بينما يبقى مثل هؤلاء في ظل النسيان؟/ لماذا لا نتحدث عن وجوه الخير بنفس الكثافة التي نتحدث بها عن وجوه الشر؟/ حدثني صديق شاعر: كان لي زميل ينافسني في الثانوية، ومع بداية العمل المسلح، اختار هو أن ينتج الموتَ، واخترت أنا أن أنتج الفن، فكتبت قصائدَ بعدد قتلاه وجرحاه ومشرديه، تحصلت ببعضها على جوائزَ كبيرة في الداخل والخارج، لكنه هزمني إعلاميا، قلت: كيف؟، قال: كان يحظى بالصفحة ونصف الصفحة، بينما كنت أحظى أنا بذيل في ذيلها، وكم كان حزني كبيرا، عندما غطّى الإعلام إشرافه على ذبح تسعة فلاحين في قرية نائية، بينما لم يقل شيئا عن الجائزة الكبيرة التي حصدتها في الخليج العربي، وأنا هنا لا أحاكم الإعلامَ ـ يضيف صديقي الشاعر ـ فهو جزء من منظومة كاملة تخضع لعقلية الترويج للاستثنائي والتعتيم على الطبيعي، وإنما أتساءل: لو أن مفكرا عظيما، نشر كتابا عظيما، وقطع عضوه التناسلي ـ حاشاكم ـ، فمن الأولى بالتغطية؟، قلت لها مازحا وما أنا بالمازح: إذا كنتُ رئيسَ تحرير، فسأرسل له صحفيا يحاوره بخصوص الكتاب، مع تعزية حارة لزوجته المنكوبة.