
1
كنتُ مسافرا إلى الشرق الجزائري على متن سيارة أجرة، كانت السّماء حمراءَ بالغبار، وكانت السّيارة حمّاما غفل القائمُ عليه عن ضبطه، لستُ أدري ما الذي حصل لنا نحن المجاورين للنوافذ، حتى غفلنا عن إنزال زجاجها؟، شخصيا كنت أغرق بالتقسيط في رواية بذور سحرية للكاتب الهندي نايبول، فيما كان الآخرون غرقى في متاهات لم أعرفها، فقد أصبح الإنسان الجزائري يقوم بفعلٍ كأن يأكلَ... يشربَ... يتكلمَ... يمشيَ، وباله ليس مشغولا بذاك الفعل، بل بآخرَ في خياله، لقد بات يغفل عن الواقعي بالافتراضي، تالمو ضاق ذرعا بواقعه، عن وعي أو عن غير وعي، فهو يهرب منه بكل الأشكال، بالمناسبة: كثيرا ما نتحدّث عن الحرقة من الجزائر إلى أوربا، لكننا لا ننتبه إلى حرقة أخطر منها، هي الحرقة من الواقع إلى الخيال، ليس من منطلق رومانسي كما تفعل الشعوب السعيدة، بل من منطلق سلبي، أفرغ واقعَنا من أيِّ محتوىً عملي، فنحن نعمل ولكننا لا نركّز فيما نعمل، فيطلع شغلنا ارتجاليا... فوضويا وخاليا من الإبداع.
2
كانت السّيارة تأكل الطريقَ الوطنيَّ رقم 05، وكانت الحرارة تشرب الأجسادَ، وكنا نحن المجاورين للنوافذ، غافلين عن فتحها لتهوية الدّاخل، وإذا بالشيخ الذي من الخلف ينفجر فجأة شتما وصراخا: بُلَداء... كسالى... أحجار لا إحساس لها، كيف لا تفتحون النوافذَ في هذا الصّهد؟، أم أنكم تعوّدتم على حرارة الاحتكاك أيّها المخنثون؟...، فأسرعتُ أنا إلى إنزال الزجاج، لا لأتجنّب كلابَ لسانه العضّاضة، ولكن حتى لا يشغلني عن بذوري السحرية التي بدأت تنتش في رأسي، فأنا من النوع الذي يملك الاستعداد لأن يدفع ما في جيبه، مقابلَ عدم التشويش عليه، إذا كان مندمجا في أغنية أو فيلم أو كتاب، مرة كنت غارقا في ألبوم لشارل أزنافور، وإذا بهاتفي يرنّ، أجبت من غير وعي، فكان المتصل زميلَ دراسة قديما، طلب مني الانضمامَ إلى جمعيته الجديدة، فقلت له: طبعا... أنا معك، وبعد خروجي من حالة الانتشاء التي حقنني بها أزنافورُ المبدع، أدركت أنني ارتكبت حماقة سمينة، إذ كيف أوافق على الانضمام إلى جمعية لا أعرف وجوهها واتجاهاتها؟، لكن هل سكت الشيخ المحتجّ بعد إنزال زجاج النوافذ؟/ لم يسكتْ... بل صعّد من لهجة الشتم حتى بتنا نرى أنفسنا كأننا تافهون... سفلة... جهلة... وأوغاد، وقد كان بإمكانه أن يطلب منا بلطفِ الكبار أن نُهوّيَ السيارة بإنزال الزجاج، وكلُّ شيء كان سيكون على ما يرام.
3
قبلها بأسبوع... أشرفتُ على تنشيط ندوة كان موضوعها: مستقبل المسرح في الجزائر، بالمسرح الوطني، وقد آثرتُ أن تكون مفتوحة على كلّ من حظر، تعميما للفائدة، وغلقا لباب الاحتكار، مكتفيا بالتنسيق بين المتدخلين، حتى لا تعمّ النقاشَ فوضى الأفكار، لكنّ مسرحيا كبيرا وقف في منتصف القاعة، محتجا على عدم السماح له بأن يكون أوّلَ المتدخلين، بطريقة لا لطف فيها، إذ سبَّ الجميعَ، واتهمني بالخيانة الوطنية، لأنني لم أعرفْ قيمتَه، الأمر الذي جعل المسرحيين الأجانبَ ينسحبون من القاعة في هدوء الفراشات.
4
ولا شكّ في أنّ كلّ واحد منكم يقف يوميا في حياته، على نماذجَ من هذه العقلية الجزائرية في الاحتجاج، التي تقوم على المبادرة بالتشنّج... العيب... الشتم... التكسير، بدل المبادرة باللين... الحوار... المحبة، وهي عقلية لا يختصّ بها جيل دون جيل، أو شريحة دون أخرى، بل عمّت جميع الشرائح والأجيال، وهنا يطرح سؤالان نفسيهما على الباحثين في علمَي النفس والاجتماع: هل كان الجزائري هكذا في السّابق؟، أم أنها عقلية طارئة فيه؟، وفي الحالتين كلتيهما، ما هي السّياقات الموضوعية التي أدّتْ به إلى ذلك؟.
***
رأس الخيط: الاحتجاج سلوك يشترك فيه الإنسان مع الحيوان، وأحيانا حتى مع الملائكة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها؟، بمعنى أنه سلوك طبيعي جدا، بل إنه قد يصبح دليلا على الوعي واحترام النفس، ووحدها طريقة الاحتجاج، تميّز المتحضرَ عن الهمجي، أليس كذلك؟.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 10:18 صباحاً ::
قد لا يكون الاحتجاج هو الأسلوب الأوحد في مجتمعاتنا الذي يعبر عن الرفض، مع أن هناك من يجيد المناورة بأشكال جديدة منه لا لجدوى، فقط لإحداث تغيير يوهمه بأنه فاعل.
أستاذي الكبير الشلام عليكم ..موضوعك هذا كان والله قمة في الروعة لأنه عكس بصدق إحدى العقليات الراسخة في المجتمع الجزائري وإن كنت قد تحدثت عن الإحتجاج على مستوى الأفراد فقد يكون الإحتجاج على مستوى المجتمعات و الجماعات أولى بالعناية ذلك أن هذه الصورة منه بدأت "تتغلغل" في مجتمعنا الجزائري ولم يرتق فوق مظاهر العنف والتخريب "" دون الدخول في تفاصيل أو أسباب هذا الإحتجاج " سواء كان عرقيا كأحداث بريان وإن تعددت التفسيرات وسادت الإشاعات والتحليلات الخاطئة أو رياضيا كأحداث وهران أو اجتماعيا كأحداث الشلف أو سياسيا كأحداث القبائل وموضوع الأسباب شائك ومتداخل بين التفسيرات الشعبية وتبريرات السلطة وتأويلات الصحافة ..لكن موضوعنا يتحدث عن العنف والتخريب كصورة للإحتجاج الجماعي الشعبي عندنا وأرجو أن تفيدونا أكثر ..كما آمل أن تغفر لي إطالتي في التعليق ..تحياتي
