الريشة فوق القصبة

إيهِ... في حذائه شيء من طين قريته وفي رأسه شيء من مطر السماء.

الخميس,حزيران 19, 2008


23كنا جالسَيْن أعلى سدّ قدّارة، محاطَين بجبال بوزقزة سيئة السّمعة الأمنية في التسعينيات، وتحتنا ترقد مدينة بودواو، كعروس وجدت عريسها قبيل سنّ اليأس، اعترف لي بعد تنهيدة لو صبّها في السدّ لفاض على سهول المتيجة: أنا خائف يا بوكبة، قلت مندهشا: ممَّ يا بلميلود؟، قال: من أمور واضحة وأخرى غامضة، ومن أمور مادية وأخرى روحية، ومن أمور تخصّني وأخرى تخصّ غيري، بمعنى أنني أعيش خوفا مركّبا لا أستطيع لمْلمتَه، آهِ لو كانت هناك جائزة لأكبر خوف متكامل، لحصلتُ عليها، شريطة أن تكون لجنة التحكيم نزيهة لا غشاش فيها، قلت: ومن يدريك؟، فقد تؤول إلى غيرك، لأن الخوف بات صديقا لكثير من الجزائريين، كما يمكن أن تؤول إلى أحد رؤساء الدول الغربية أوالعربية تحت تسمية: جائزة راعي الخوف من الجزائر، على غرار جائزة راعي الثقافة العربية التي حصدها الرئيس بوتفليقة من الأكاديمية العربية الأوربية، إذ يبدو أن الجزائر بدأت تعود إلى مقام إخافة الآخرين منها، وتكالبُ إعلامهم عليها دليل على ذلك، يا ليتنا كنا خبيرين استراتجيين، حتى نعرف حقيقة دواعي ذلك، ارتفع صوته الصدئ بالغناء، حتى رددته شعاب المكان: الصَّيدْ يبقى صَيد/ْ حتى لوكانْ يشرُفْ/ منو لَذيابْ خايفهْ، قلتُ: كفى... كفى يا بلميلود، فصمتك أكثر طربا من غنائك، التفت إليَّ بنظرة جادة: ألمْ تلاحظْ أنّ ساحتنا الثقافية بدأت تتوفر على مسابقاتٍ وجوائزَ كثيرة؟، قلت: هناك جوائزُ/ مالك حداد ـ محمد ديب ـ أبوليوس ـ مفدي زكريا ـ علي معاشي ـ مصطفى كاتب ـ ولد عبد الرحمن كاكي ـ وزارة الاتصال ـ وزارة المجاهدين ـ المكتبيين الجزائريين ـ الفنك الذهبي ـ الميكروفون الذهبي ـ ألحان وشباب ـ المهرجان الوطني للمسرح المحترف...، قال: بمعنى أننا استطعنا أن نؤسس لتقليد الجوائز على مستوى الكمّ، وهذه خطوة ضرورية، وعلينا أن ندشّن مرحلة جديدة نكسب فيها رهان النوع، قلت: كيف؟، قال: ليس مهمّا كثيرا أن تكون لدينا جوائزُ كثيرة، ما لم تكن فعالة، بقدرتها على تحقيق هدفين رئيسين/ هدفِ التثمين، بأن تذهب الجوائز إلى المواهب الحقيقية فعلا، وهدفِ الشهرة بأن يصبح الحصول عليها طريقا إلى النجومية، أو تكريسا لها، قارنْ مثلا بين جوائز الرئيس المصري لأدب الشباب، وجوائز رئيسنا، من حيث كمية الإشهار القبلي والبعدي، ومن حيث القيمة المالية، ومن حيث مصداقية لجنة التحكيم، رنّ نقالي، فإذا المتصل صديق صحفي أخبرني بأن قنبلتين انفجرتا في بني عمران، أي على بعد نظرات من المكان الذي كنا جالسَين فيه، قلت لعلي بلميلود: لنغادر المكانَ يا أخي الكبيرَ، فخوفك في محلّه، هبطنا المنحدرات حتى بلغنا منخفض بودواو، فقال لنا الحاجّ سائق السيارة: هنا زاوية سيدي سالم رضي الله عنه، وهو عالم جليل من البيت النبوي الشريف، استقرّ في المنطقة في القرن الخامس عشر، وأسّس فيها زاوية أشعّتْ على الضواحي إلى غاية إحراقها من طرف الجيش الفرنسي في عام 1958، لأنها كانت منارة روحية وفكرية لثوار المنطقة، ، وللأسف فإن أحدا لم يبادرْ إلى إعادتها إلى الإشعاع إلى غاية اليوم، أمّا ضريح الوليِّ الصالح، فقد دمّره المتطرّفون في التسعينيات، نزلنا المكانَ... فإذا هو مبنىً متفحّم يكسوه الجلالُ رغم بقايا ماعز وبقايا شراب وبقايا همجية، وسيدي سالم... الذاكرة الحضارية للمنطقة مسوّىً بالأرض والنسيان، قلت لعلي بلميلود: تعلم أنني لا أحبّ التقليدَ، لكنني أشعر بالخوف، قال: ممَّ يا بوكبة؟، قلتُ: من الماضي والحاضر والمستقبل، بمعنى أنني أعيش خوفا مركبا لا أستطيع لملمتَه، انفجر ضاحكا، وراح يشاكس النوارسَ التي قيل لنا إنها لا تغادر المكان.