الريشة فوق القصبة

إيهِ... في حذائه شيء من طين قريته وفي رأسه شيء من مطر السماء.

الجمعة,حزيران 06, 2008


ـ 1 ـ

لستُ مفكّرا أو سياسيا أو كاتبا محترفا للمقال، لذلك لا تنتظروا مني في خيوطي إلا تداعيات متداخلة، كالتي تبدأ هكذا: سلكت بالسيارة الطريق الرابط بين تلمسان والجزائر العاصمة، متوقفا في وهران فمستغانم فغليزان فالسلف فعين الدفلى فالبليدة، وما بينهما من مدن صغيرة، ولم يكن وقوفَ ساعة وساعتين، بل كان وقوفَ يوم ويومين، مصحوبا بصديقين فنانين، أثق في عيونهما وهي ترى الأشياءَ.

ـ 2 ـ

في الحقيقة… لم يكن ذلك قصدَنا من وراء الرحلة التي جاءت فجأة، لكنكم تعرفون الفنانين، كيف يحبون أن يفهموا ما بين السطور والشوارع، فاتفقنا على أن نقارن بين المدن التي ننزل فيها، من حيث المظهر والذهنيات، وكان أن لاحظنا تفاوتات كثيرة بين مدينة وأخرى.

ـ 3 ـ

كثيرون هم الذين يقومون بمثل هذه الرحلات، وبما أنهم يفهمون السياحة على أنها زيارة الآثار فقط، فإنهم يخرجون من تلك المدن عارفين بماضيها، وجاهلين بمداخل الحياة المعاصرة فيها، لأنهم لم يقتربوا من دبيب شوارعها، ولم يخالطوه في تحركاته المختلفة، وما يثير الدهشة، ويولّد القرفَ، أن هذه العقلية موجودة حتى عند قطاع واسع من الكتاب والفنانين، مرة بسبب التعالي، ومرة بسبب الخوف من مواجهة الناس، والنتيجة أننا أصبحنا نقرأ أعمالا إبداعية، ونشاهد أخرى، لا أثر فيها للشارع الجديد، وهو العامل الأبرز لنفور المتلقي الجزائري، من الأعمال الأدبية والسينمائية الجزائرية، والأمر متروك للنقاش.

ـ 4 ـ

إن المكان الجزائري، بحاجة لأن يُعرف من الداخل، حتى يُفهم على حقيقته، فيتخلّص من تبعات الأحكام المطلقة والمسبقة، التي ظلت تلاحقه، بحيث يُصنّف أحيانا في زمرة الأماكن المتخلفة، بينما هو يملك أكثر من قدرة على إغراء الكثيرين، إنسانيا وثقافيا وجغرافيا وتاريخيا، وقد شعرت بالغيرة المبررة، إذ هناك غيرة لا مبرر لها إطلاقا، عندما قرأت أن السياحة العربية في تركيا، انتعشت بسبب المسلسلات التركية المدبلجة، والتي أصبحت خليفة المسلسلات المكسيكية، من حيث المشاهدة والإقبال عربيا، وكم وقفت أنا وصديقيَّ الفنانَيْن، في رحلتنا تلك، على أكثرَ من مكان، في أكثرَ من مدينة، مع أكثرَ من فرصة، لأن تتحول تلك الأماكن إلى مسارحَ لأعمال سينمائية ضخمة، إن لم تكن من إنتاجنا نحن، فمن إنتاج الآخرين.

 

ـ 5 ـ

طبعا… هناك تفاوت بين المدن من حيث التميز في طبيعة المظهر، وهو تفاوت إيجابي يساعد على تعدد الرؤى وزايا التناول من مبدع إلى آخرَ، غير أن هناك تفاوتا سلبيا، لا بدَّ من الانتباه إليه، يكمن في درجة اهتمام السكان بنظافة المكان وبعده الجمالي، إذ نجد الشجرة مثلا سعيدة في هذه المدينة، بسبب إعفاء المارة لها من النتف والقطف والتخريب، ونجدها شقية في تلك المدينة، بسبب تكالب الكثيرين عليها، إذ تصوروا شجرة في وسط مدينة مزدحمة، ما الذي يبقى منها، إذا كان كل واحد من المارة، يقطف منها ورقة، أو يحفر فيها اسمه واسم حبيبته، أو يرمي تحتها شيئا، أو يتعنكش فيها؟، وقد لجأت بعض البلديات إلى تسييج الأشجار بالحديد، فأصبحت تبدوا كأنها كائنات محبوسة، وهو منظر ينبغي ألا نتفاوت في رفضه، والخطوة الأولى طبعا: أن نتعلم كيف نترك الشجرة بسلام.

ـ 6 ـ

راس الخيط: على المجتمع المدني، أن ينتبه إلى أن كثيرا من المشاكل والنقائص والاختلالات التي يعانيها في يومياته، إنما جاءت من عدم وعيه هو بدوره في خدمة نفسه والقيام على محيطه، وانتظاره كلَّ شيء من الدولة، بحيث أصبح المواطن الذي يخرب الشجرة، هو نفسه الذي يتهم السلطات بتقاعسها في الاهتمام بالمحيط.