الريشة فوق القصبة

إيهِ... في حذائه شيء من طين قريته وفي رأسه شيء من مطر السماء.

الأربعاء,سبتمبر 03, 2008


artaraعطش الثقافة: هل رأيتم رجلا عطش عطشا شديدا، في سفر صحراوي شديد، ثم فجأة وجد قربة باردة، فصبّها كلها على جسده، دون أن يشرب منها شربة واحدة؟،هل يذهب من عطشه شيء؟، والحديث قياس على ما نُظّم لحد الآن من نشاطات في إطار عاصمة الثقافة العربية، إذ كم كتابا وكم فيلما وكم مسرحية وكم ندوة وكم مهرجانا، وبالتالي كم صُرف من المال العام على ذلك، علما أن عدد المتلقين الذين استفادوا بالمعنى الوظيفي للاستفادة، لا يتعدى المآت من بين اثنين وثلاثين مليون مواطن، وقد كنا قادرين على أن نُحْدث صحوة ثقافية بنصف المبلغ فقط، لو كنا نملك استراتيجية ثقافية واضحة المعالم والأبعاد، من خلال تدشين جملة من المبادرات التي لا تزول بزوال المناسبة، إذ هناك فرق بين أن نشتري ثمارا بمبالغ ضخمة، نضطرّ إلى شراء غيرها بنفادها، وبين أن نغرس شجرة، تُكلّفنا مبلغا زهيدا مرة واحدة، مع بقاء ثمارها على مدى أجيال وأجيال.

عطش التربية: اطلعت من باب الفضول، على كتاب الأدب للسنة الثانية ثانوي/ شعبة علوم الطبيعة والحياة، فهالتني عشرات الأخطاء النحوية والصرفية والعَروضية والمطبعية التي فيه، أما الجانب الجمالي للكتاب، فرديء ومتخلّف، فأية علاقة لهذه البشاعات بالأدب والطبيعة والحياة، الثالوث الذي يشترك في تيمة واحدة هي الجمال؟، ثم ماذا ننتظر من إنسان في المستقبل، رضع الخطأ منذ صغره؟، وأيّ خطأ؟، إنه الخطأ في اللغة التي قال مُنَقّطُها أبو الأسودالدؤلي: إياكم والخطأ في اللغة فإنه قاتل، وفي سياق متصل: لماذا نندهش من أطفال باتوا يفجّرون أنفسهم في الأماكن العمومية، ونحن لم ننتبه وبالتالي لم نتحرك، أمام تغلغل العنف إلى لغتهم؟، فقد بات شابّ اليوم يعبر مثلا عن الجمال والنشاط والفرح بالعنف، فيسمي الفتاة الجميلة: بومبة، والإنسان النشيط: هبهاب، وإذا دعاك إلى الفرح قال: أرواح نديرو الهول.

عطش المسجد: كان الإمام قبل عقدين فما قبلهما، قريبا من الناس، قربا يجعله يشرف على زواجاتهم وعقودهم وجنائزهم وصلحهم، ويعرف أسماءهم وبيوتهم ومشاكلهم ونفسياتهم واحدا واحدا، ما يؤهله لأن يلعب معهم دور الصيدلي الذي يعطي لكل مريض ما يلزمه من دواء بالضبط، في إطار ما يمكن أن نسمّيه بالفقه الجواري، والنتيجة أن المسجد كان يشعّ بأخلاقه من محبة وتسامح وتضامن وحشمة على الشارع، أما اليوم فقد بات الإمام بعيدا عن الناس فيما يلبس ويفكر ويخطب ويفتي، فهو إن كان وهابيا، نفّر منه المالكية وهم حقيقة المجتمع الجزائري، وإن كان مالكيا نفّر منه الوهابية، وقد باتوا حقيقة أيضا، مما أضعف سلطته الروحية في كل الحالات، حتى صار الشارع يشعّ بأخلاقه من سرقة وعنف وتنابز بالألقاب على المسجد.

عطش المَرافق: زرتُ في هذا رمضان، أكثر من دار شباب في الشرق الجزائري، فوجدتها هياكل بلا روح، قاعات للعلاج النفسي بلا نفسانيين، وأخرى  للمطالعة بلا كتب، وإن وجدت فهي من عهد الثورة الزراعية، وكأن الجزائر لم تتغير في شيء، وقاعات للنشاط الثقافي بلا نشاط، وإن وُجد فهو مجرد حفلات غنائية مستنسخة عن تلك التي تقصدها فئة من المواطنين في علب الليل، وقد كنا قادرين على أن نجعل من هذه المرافق، ملاجئَ فكرية وثقافية وتربوية حقيقية لشبابنا، نَعْرفه من خلالها كما هو، قبل أن يفاجئنا بما لا نعرف عنه وفيه، فنغذي نزعته إلى الإبداع والعطاء، ونعالج نزعته إلى العنف والتدمبر، وبذلك يكون منسجما مع الرهانات الكبرى لمجتمعه.

الحاصول: قرأت وسمعت أن مؤسساتنا الأمنيةَ، عاكفة هذه الأيام على دراسة السياقات التي خلقت لدينا انتحاريين جددا من المراهقين، رغم كل السياسات الأمنية التي طبّقناها منذ التسعينيات، والحق يُقال، إن لم يكن خوفا من الله، فخوفا على هذا البلد: إن الوصول إلى سلم دائم ومنتج، لا يكون إلا بمعالجة هذه الأنواع وغيرها من العطش، معالجة علمية وسياسية، لا ارتجال فيها، والله وليّ التوفيق.

هامش……………..

* نسيت من استعمل هذا العنوان

المهم أنه ليس لي.



في07,سبتمبر,2008  -  11:04 صباحاً, احمد بن مهدي كتبها ...

رائعة كتاباتك اخي..تقبل مروري.
الشاعر احمد بن مهدي _ادرار