من المسئول عن تجريد كلمة الجبل من قدسيتها، بحيث كان الجزائري الحقيقي يشعر ـ إذا ذكرها، أو ذُكرت أمامه ـ بعزته وكرامته وفحولته عبر التاريخ، بل ويشعر بالأمان، رغم أن الجبال كانت ـ يومها ـ مسارحَ لمعاركَ كبرى الداخلُ فيها مطحون، والخارج منها معطوب، إلى درجة أن مليونا ونصف المليون استشهدوا في أقلَّ من ثمان سنوات؟، وبالتّالي من المسئول عن شحنها بمعنىً معاكس، بحيث أصبح الجزائري الحقيقي، يشعر ـ إذا ذكر كلمة جبل، أو ذُكرت أمامه ـ، بالخزي والعار والخوف على ماضيه وحاضره ومستقبله؟/ من المسئول عن تحويل أنهارنا وأوديتنا من مجار لسباحة الأطفال وصيد السمك وسقي الحقول، إلى كوارثَ بيئية، وعار وطني؟/ من المسئول عن تحويل حدائقنا العمومية ومواقع آثارنا، من فضاءات تعبق بالخضرة والتاريخ، إلى فضاءات للجريمة والدعارة بكل أشكالها؟/ من المسئول عن تحويل جامعاتنا من منابرَ لإنتاج العلم والمعرفة، وتخريج إطارات المستقبل، إلى محاشرَ لأنصاف المتعلمين وتفريخ البطالين، وقريبا من هذا: من المسئول عن تشويه صورة المعلّم؟، وتلميع صورة البزناسي، بحيث أصبح الأول محل تنكيت، وأصبح الثاني محل إشادة واقتداء؟/ من المسئول عن إفراغ جوامعنا، من معناها الدينيّ الجزائريّ الأصيل، وتحويلها إلى فضاءات لممارسة الفتنة المذهبية، والدعاية الحزبية والتحريض على قتل الجزائريين، ومحاربة مظاهر الهوية الوطنية، باسم محاربة البدعة ومناصرة السنة، وتفرّعا من هذا: من المسئول عن تلاشي مظاهر هويتنا الجزائرية من لباس وأسماءَ وموسيقىً وعادات وتقاليدَ وطقوس شعبية، واستبدالها بأخرى بعضُها حجازي وبعضها أفغاني وبعضها فرنسي وبعضها أمريكي، بعيدا عن منطق المثاقفة الصحية؟/ من المسئول عن تحويل جمعياتنا، من أُطُر للعمل المدني الجاد، والمتساوق مع جملة الرهانات الوطنية في الداخل والخارج، إلى أطر للبزنسة المالية والسياسية، لا تتحرّك إلا بحسابات ضيقة جدا، في مناسبات محدودة جدا؟/ من المسئول عن تحويل البلد إلى مقبرة للموهوبين في شتى المجالات؟، بحيث أصبح أيُّ موهوب جزائري، يُدرك مسبقا أن الهجرة إلى الخارج، هي الشرط الأول لنجاحه، وقريبا من هذا: من المسئول عن الحطّ من قيمة المثقف الحقيقي، والفنان المبدع، ووضعهما في مقام العزلة عن المجتمع؟، والرّفع من قيمة أشباه المثقفين وأنصاف الفنانين، ووضعهما في مقام التأثير والتسيير وتوجيه الأفكار والأذواق؟.
لا شك في أن هناك فاعلا، في كل هذه الخرابات وغيرها، قد يكون فردا أو جماعة، شعبيا أو سلطويا، ميّتا أو على قيد الحياة، سلطة مادية أو معنوية، في الدّاخل أو في الخارج، والواقع أن كل من انبرى للإجابة عن مثل هذه الأسئلة، من سياسيين ومؤرخين وإعلاميين ومثقفين، في السلطة أو خارجها، جعل الفاعل مبنيا للمجهول، والمؤسفُ أننا لو أردنا أن نطرح القضية بطريقة أكثر وظيفية، فتساءلنا: ما هي السبل المثلى للخروج من هذه المآزق والتأخرات والاختلالات والتسربات والإهمالات، ومن الذي سيفعل ذلك؟، فإننا قد نجد أكثر من إجابة عن الشقّ الأول من السؤال، لكننا نجد أنفسنا أمام الحقيقة نفسها في الشق الثاني منه: الفاعل مبني للمجهول.
و استتار الفاعل فيما كان، يولّد عدم الثقة بين أطراف المجموعة الوطنية، ما يؤدّي إلى نخْرها من الداخل، واستتاره فيما يجب أن يكون، يولّد استقالتها من أداء وظائفها الحضارية، بما في ذلك وظيفة التنسيق فيما هو مشترك بينها، ما يؤدّي إلى التحكّم فيها من الخارج.
والحصول/ أخشى ما أخشاه، أن تصْدُق كلمة قالها لي أحد الأصدقاء من المجاهدين الحقيقيين: إننا نتهم فرنسا ـ حقا وباطلا ـ بكونها السببَ في كل المشاكل التي وقعنا فيها منذ الاستقلال، حتى باتت قناعة جماعية لدينا، والحل أن نوجّه لها دعوة شعبية ورسمية لأن تعود، كي تحلّ لنا مشاكلنا، وبذلك ستكتمل الدورة الاستعمارية.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 10:40 صباحاً ::
لماذا هذا التفلسيف خويا عبد الرزاق
شكرا سيدي بوكبة
