الريشة فوق القصبة

إيهِ... في حذائه شيء من طين قريته وفي رأسه شيء من مطر السماء.

السبت,آب 02, 2008


hz6qwwتابعتُ الحصّة التلفزيونية ألحان وشباب، منذ بدايتها في طبعتها الجديدة، وقد تعوّدتُ على أن أتعامل مع مثل هذه الحصص، بغضّ النظر عن أبعادها الفنية، التي قد توافق ذوقي وقد لا توافقه، ولكن من منطلق كونها وثيقةً، أقرأ من خلالها مستجدّاتِ وتحوّلاتِ الذوق والتفكير والسلوك في المجتمع ، التي علينا أن نرصدها، ونُلمّ بسياقاتها موضوعيا، بعيدا عن عقلية التعالي والإلغاء، وشخصيا أعتقد أن أهمية مثل هذه الحصص ـ بالنسبة للنخبة ـ  تأتي من هذا الباب، في ظلِّ غياب دراسات ميدانية جادّة، تتوخّى قراءة الشارع الجزائريِّ الجديد، وما بات ينطوي عليه من ظواهرَ ومظاهرَ تميّزه عن السابق، بفعل جملة التحولات والهزّات التي حدثت في السنوات الأخيرة.

انطلاقا من هذا الفضول الثقافي، فقد سجّلتُ الملاحظاتِ التاليةَ، من خلال الأعداد التي بثّتْ لحدّ الآن:

1/ فضّل معظمُ المشاركين ـ رغم إلحاح لجان التحكيم، ومحاولة المخرج بأن تدخل القافلة، كلَّ مدينة بموسيقىً محليةٍ تميّزها ـ، أن يشاركوا بأغان إما مشرقية، وإما غربية بل إنّ بعضهم شارك بمقاطعَ من الأوبرا الروسية، أو من الأغنية الهندية، وهذا يَشِيْ بأنّ الجيل الجديد، لم يعدْ محكوما بالذوق الأصلي،[ ولا أقول الأصيل ] في الغناء، بمعنى أنّ الابتعاد [ حتى لا أقول الانسلاخ ] عن مظاهر الهوية الوطنية، لم يمسّ الأسماء واللباس فقط، ـ كما أشرنا في العدد ما قبل  الماضي ـ، وإنما تعدّى إلى الأغنية أيضا، والخوف ليس من هذا في حدّ ذاته، لأنه قد يكون علامة من علامات الانفتاح، إذا كان مستنِدا إلى عمق في الوعي بالذّات، كما هو حاصل في المشهدين التونسيِّ والمغربي، وإنما في أن يتحوّل إلى تفكير، بحيث لا تصبح الجزائر بالنسبة لجيلها الجديد، كيانا حضاريا، يرتبط به فكريا ووجدانيا، وإنما مجرّدُ مسقطِ  رأسٍ قدريٍّ، يهرب منه إلى غيره متى أتيح له ذلك، ويمكننا أن نفهم جانبا من ظاهرة الهجرة غير الشرعية في هذا الإطار.

2/ لم تحضر أغنية الرّاي، إلا كظلال طفيفة بالمقارنة مع أغنية الرّاب، التي لم يخْلُ عدد من مشاركتين أو ثلاثٍ بها، وهذا يعني أن هناك تحوّلا في منطلق الرّفض لدى الشباب الجزائري، من التمرّد العاطفيِّ الذي قام عليه الراي، إلى التمرّد السياسيِّ الذي يقوم عليه الراب، ومنه فإن هناك تحوّلا في مفهوم الحرية ذاتِها لديه، فالحرية العاطفية باتت محقّقة في حياته، إذ من ليس له صاحبة اليوم، حتى لدى تلاميذ المتوسّطات؟!، وإذن فمن الطبيعيِّ أن يصبح موطن التطلع، هو المطالب السياسية لا المطالب العاطفية، التي باتت مكرّسة في حياته بفعل نضالات أغنية الراي نفسِها، وكمثال على حقيقةِ سيطرةِ الراب على الذوق الشبابيِّ الجديد، لجوءُ المؤسسات الاقتصادية إلى لطفي دوبل كانون لإشهار سلعها، لا إلى شابٍّ من شباب الراي، بل إنّ منظمة عالمية كبيرة، عيّنته سفيرا للنوايا، كما دعاه الشيخ القرضاوي لحضور مؤتمر شبابيٍّ عالميٍّ عقده في الدوحة، وإذا كانت هناك مؤاخذات معينة على أغنية الراي، ـ ذكر بعضها الأستاذ بخليلي قبل عددين ـ، فإنها تبقى أغنية جزائرية صِرْفا، عكس أغنية الراب ذات الجذور الأمريكية.

3/ كان الحجاب المظهرَ الغالبَ على الشابّات المشاركات، وهو مظهر يتنافى مع طبيعة الحصّة والأغاني التي شاركن بها!، بمعنى أن هناك كسرا/ انزياحا، حدث مؤخرا في مفهوم هذا المظهر الديني المُؤدْلج، على غير ما كان عليه مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، أو ما يسمّيه الإسلاميون بسنوات الصحوة في الجزائر، بمعنىً أدقّ هناك امتصاص حصل للمحمول الإيديولوجيِّ للحجاب، وتجريد له من رمزيته التي تُحيل على تلك الصحوة، وما يثير الحسرة، ويشير إلى عدم وعي الإسلاميين أحيانا بطبيعة الرموز في تحولاتها وتصادماتها، أن الحجاب الذي كان ولا يزال واحدا من أبجديات دعوتهم، جاء على أنقاض الزيِّ الوطنيِّ الأصليِّ من حايك وملحفة وملاية وبوعوينة، حتى إذا قضى عليه، تخلّى هو ذاتُه عن ذاتِه!.

الحَصُول: انطلاقا من هذه الملاحظات وأخرى، لا تتسع هذه المساحة لذكرها، فإن العنوان الكبير الذي يمكن أن يُؤطّر هذه المشاهدات: انتباه... هناك أزمة في الهوية الوطنية.