
كم أحير يا بلميلود في العقل الأمريكي، عندما أتأمّل ما ينتج من فن وفكر وصناعة، أجده راقيا ومتوثبا ومخترقا للحدود، حدودَ الزمان والمكان، وأجده بليدا، ولا أضيف نعتا آخرَ، لأن وصف البلادة كاف دلاليا، عندما أتأمّل طبيعة نظرته إلينا نحن العرب والمسلمين، بحيث لم تنفعه كل احتكاكاته الميدانية بنا، وكل مناهجه ومعارفه في تراكماتها المختلفة، في أن يدرك حقيقة أننا كيان مستعص على الزوال، لأننا ببساطة التاريخ والجغرافيا متجذرون في الأرض والسماء، بكل ما يترتب عن ذلك التجذر من إنتاج فني وأدبي وثقافي وطقوسي، لا يمكن علميا لأمة تملكه أن تزول، فلماذا هذا الإصرار على سياسة التفتيت والاحتواء والإلغاء والمغالبة؟، عوض أن يجلس الأمريكيون قليلا مع عقلهم الكبير جدا، ويبحثوا عن سياسة بديلة ويتبنوها، فيريحوا ويستريحوا، قال لي: شخصيا سأمنح أمريكا عاما آخرَ، إذا لم تستوعب الدرس بعد فشل قناة الحرة وتنظيم القاعدة واحتلال العراق، من خلال عدم تجاوب الناس مع تلك المشاريع التي طبختها في مخابرها المختلفة، فسأسحب عنها صفة الفهم والعلم التي لا زلت إلى غاية اليوم أرى أنها تنطبق عليها، معتبرا إياها مجرد زريبة جديدة من زرائب الكوبوي في ملتي واعتقادي، إذ أفليس من الغباء أن تسمي قناتها الموجهة إلينا الحرة؟، نحن الذين نعيش يوميا ـ ولا يُحكى لنا ـ مضاعفات تطبيقاتها المزيفة والمغشوشة لأنبل مفهوم ناضل من أجله الإنسان منذ ولادته الأولى: الحرية، في الحقيقة يا صديقي بوكبة، أمريكا قلبت القاموس في كل لغات العالم، فراحت تسمي الحرية كذبا، وتسمي الدفاع عن النفس إرهابا، وتسمي الغاصب صديقها الذي يحتفل بعيده الستين، ورغم رصيدها المعرفي العظيم، لم تنتبه إلى أن ذلك لعبة خطيرة، لأن قلب المفاهيم النبيلة التي ناضل من أجلها الإنسان منذ الطينة الأولى، إلى عكس محمولاتها الأصلية والمتأصلة في النفوس والنصوص، هو انتحار ذاتي بطيء، وأمريكا بالمناسبة سيقضي عليها البطء في إدراك هذه الحقيقة، أو البطء في تجاوزها رغم إدراكها، إما عنادا وإما خضوعا لضغط من دوائر متنفذة داخلها وخارجها لا تحب لها الخير، قلت: وما السياسة التي ترى بأن أمريكا ستكون ذكية إن هي تعاملت بها معنا؟، قال بنرفزة: وما أدراني أنا؟ على أمريكا أن تفكر لأمريكا، بالمناسبة: لم تحك لي كثيرا عن زيارتك لتلمسان، لا شك في أنك خزنتَ أشياءَ تجعلك تراها جديرة بأن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية بعد سنتين ونصف، قلت: طبعا يا بلميلود... شريطة أن نشرع في التفكير والتحضير من الآن، أما أن نترك الأمر مفتوحا على التسويف والارتجال، فسنظلم مدينة كبيرة في التاريخ الإسلامي، بجعلنا لها تظهر صغيرة في الحاضر، تلمسان ليست أمرا بسيطا يا صديقي، قال: ماذا شفت وسمعت؟، قلت: إلى اللقاء، قال: ستغادرني عن جد؟، قلت: سأتزوج بعد أيام، وليس لدي وقت أضيعه معك، باي بلميلود... شرع يغني بصوت بشع، لكنه صادق: يا سيدي ربي... أعرف كل الطرقات، ولا أملك عجلة/ وأحفظ كل أسماء العشق، وحبيبتي تنام في حضن من يراها قنبلة.
كتبها عبد الرزاق بوكبة في 02:21 مساءً ::
